في دروب الفقد والدم... مأساة الفارين من الفاشر تعيد فتح جرح السودان
لم يكن الطريق من الفاشر إلى طويلة سوى ممرّ من نار، يشهد على واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية في تاريخ السودان الحديث.
فعلى وقع الهجوم العنيف الذي شنّته ميليشيات الدعم السريع في السادس والعشرين من أكتوبر الماضي، تحولت المدينة المنكوبة إلى مسرحٍ للقتل والعطش والجوع، بينما تفرّق أهلها بين مقابر مفتوحة ومخيمات تئنّ من الازدحام والفقد.
نشرت مجلة "تايم" الأمريكية تقريرًا مطولًا في عدد الأخير، وثّقت فيه شهادات مرعبة عن الانتهاكات التي ارتُكبت أثناء فرار عشرات الآلاف من المدنيين من الفاشر إلى مخيمات النزوح في طويلة وتشاد.
ووفقًا لتقديرات المجلس النرويجي للاجئين، فرّ أكثر من ثمانين ألف شخص من أصل مئتين وستين ألفًا كانوا يعيشون في المدينة قبل سقوطها، غير أن سبعة آلاف فقط تمكنوا من الوصول إلى مخيم طويلة، بينما لا يزال مصير عشرات الآلاف مجهولًا حتى اليوم.
حقول الموت ومجزرة المستشفى
أمام أنظار العالم، توالت التقارير الأممية التي توثق عمليات إعدام ميداني وجرائم عنف جنسي واغتصاب وصفتها الأمم المتحدة بأنها "حقول قتل".
ووقعت إحدى أبشع المجازر في مستشفى الولادة السعودي، آخر المراكز الطبية العاملة قبل سقوط المدينة، حيث أقدم مسلحون على اختطاف الأطباء والممرضين ثم قتل أكثر من أربعمئة شخص من العاملين والمرضى، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.
مدن جائعة وأجساد تبحث عن الحياة
الفاشر اليوم مدينة جائعة ومحاصرة، ممنوع عنها الغذاء والدواء ومواد الإغاثة، يواجه من تبقّى فيها شبح المجاعة، وتتصاعد نداءات المنظمات الإنسانية للسماح بدخول المساعدات، بينما يؤكد شهود عيان أن مجرد إشعال سيجارة يكفي لاستدعاء طائرة مسيّرة تُحلّق فوق الرؤوس لتقصف ما تبقى من الأمل.
أما الرحلة إلى طويلة فليست طريقًا إلى الأمان، بل محنة محفوفة بالموت، النساء والفتيات يتعرضن للابتزاز والاغتصاب، والأطفال يصلون إلى المخيمات وحدهم، حفاة جائعين، لا يعرفون إن كان آباؤهم ما زالوا أحياء أم طواهم القبر.
شهادة من قلب المأساة
يقول شاشوات سراف، مدير المجلس النرويجي للاجئين في السودان، إن كل من يلتقيه يفتقد أحد أفراد أسرته، وإن الفقد بات وجعًا جماعيًا لا يُعرف له نهاية.
ويؤكد أن من بين القلائل الذين وصلوا إلى طويلة كثيرين أصيبوا بالجفاف الشديد وفقدان الوعي، بعد أن ساروا أيامًا بلا ماء ولا غذاء، وبعضهم لا يتذكر حتى اسمه.
ويضيف سراف أن الرجال في الفاشر يُستهدفون بصورة متعمدة، إذ يُنظر إليهم باعتبارهم مؤيدين للقوات المسلحة السودانية، فيُقتلون لمجرد انتماءٍ مفترض.
ومن بين الناجين رجال تركوا خلفهم نساءهم وأطفالهم في مناطق يظنونها آمنة، فيما لا تزال عائلات كاملة مفقودة لا يُعرف مصيرها.
أزمة ممتدة وحدود بلا أمان
تشير تقارير الإغاثة إلى أن أكثر من أحد عشر مليونًا وسبعمئة ألف شخص نزحوا داخل السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، في أكبر موجة تهجير تشهدها البلاد منذ استقلالها.
وفي الأفق، تحاول الولايات المتحدة وشركاؤها الإقليميون — مصر والسعودية والإمارات — دفع جهود الوساطة نحو هدنة إنسانية، بينما أعلنت قوات الدعم السريع موافقتها المبدئية على خطة أمريكية لوقف إطلاق النار تمهيدًا لحوار سياسي شامل.
لكن، وسط هذه الوعود الدبلوماسية، تبقى الحقيقة الصادمة أن آلاف الأرواح لا تزال في عداد المفقودين، وأن الطريق من الفاشر إلى طويلة، كما يصفه أحد عمال الإغاثة، ليس درب نجاة بل ممرًّا بين الحياة والموت.