رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت
عمرو فاروق- باحث
عمرو فاروق- باحث في شؤون الجماعات الأصولية والأمن الإقليمي

في ظل حالة التخبط الفكري والثقافي التي تحيط بالمجتمع المصري إزاء حالة الانفتاح والتطور التكنولوجي، والاعتماد المباشر على الفضاء الإلكتروني في الحصول على المعرفة الثقافية، بجانب تمدد الخطاب الديني المتشدد على منصات التواصل الاجتماعي، وبناء كيانات إقليمية ودولية لنشر التطرف الفكري، فضلًا عن حملات التشويه والتشكيك التي تستهدف مؤسسات الدولة لبناء جدار من انعدام الثقة وصناعة فجوة بين المواطن والأجهزة التنفيذية، في إطار الهيمنة والاستحواذ على العقل الجمعي للشارع المصري والأجيال الجديدة، وفق استراتيجيات الجيلين الرابع والخامس، باتت الدولة المصرية في حاجة عاجلة إلى تأسيس كيان معني بـ"الأمن الفكري"، تحت مسمى وزارة "الأمن الفكري والوعي الوطني" أو "الهيئة الوطنية للأمن الفكري".

تستهدف وزارة "الأمن الفكري والوعي الوطني" توحيد الجهود الفكرية والإعلامية والتعليمية والدينية داخل الدولة المصرية في إطار مؤسسي، من خلال ترسيخ الوعي الوطني والفكر الوسطي كركيزة لحماية الأمن القومي، وبناء مواطن مصري يمتلك مناعة فكرية ضد محاولات الاختراق الثقافي أو الديني واستراتيجيات التدمير النفسي.

تعتمد فلسفة تأسيس الوزارة أو الهيئة على مفهوم أو مبدأ "الوقاية الفكرية قبل المواجهة الأمنية"، بحيث يصبح الأمن الفكري ركنًا مكمّلًا للأمن القومي، ويُنظر إليه باعتباره سلاح الوعي في مواجهة حروب الأفكار، والتشويه الإعلامي، والتطرف العقائدي يمينًا ويسارًا، فضلًا عن صيانة الهوية المصرية، وتعزيز قيم المواطنة والانتماء والوعي الجمعي.

تضع الهيئة أو الوزارة منهجية لتشديد الرقابة على صُنّاع المحتوى الديني والسياسي والاجتماعي والثقافي على منصات التواصل الاجتماعي، ومراجعة استراتيجيات خطاب صفحاتهم وتوثيقها رسميًا من قبل الهيئة كممثل عن الدولة المصرية وأجهزتها التنفيذية، في إطار دورها الرقابي والتوعوي، فضلًا عن إمكانية صناعة حملات ودورات لتوجيه وتدريب صُنّاع هذا المحتوى وفق محددات الأمن القومي المصري، وتوظيفهم في نشر القيم المجتمعية الرصينة، للوقاية من تحويلهم إلى أدوات في أيدي الغير داخليًا وخارجيًا، في ظل واقع مفروض يجب النظر إليه بعناية، دون دفن الرؤوس في الرمال أو الاكتفاء بفكرة المنع أو الإغلاق.

بناء استراتيجية "وزارة الأمن الفكري" يتطلب التعاون بين مختلف مؤسسات الدولة، لدعم برامج توعية شبابية ومجتمعية في المدارس والجامعات ومراكز الشباب، وتطوير مناهج التعليم والتدريب الديني والإعلامي بما يرسخ قيم التفكير النقدي والاعتدال، وإنشاء مركز وطني للرصد والتحليل الفكري يتابع الاتجاهات الفكرية والإعلام التحريضي على المنصات الرقمية على المستويين الداخلي والخارجي، مع تأهيل الكوادر الإعلامية والدينية والأكاديمية في مجالات الأمن الفكري والوعي المجتمعي.

ومن ضمن الأدوار الفاعلة لوزارة أو هيئة "الأمن الفكري" التصدي لموجات التغريب الديني التي يتم تمريرها حاليًا من قبل الجماعات الأصولية والتيارات السلفية التقليدية والسرورية الحركية، في إطار الدعم المالي المتضخم من قبل الأطراف الخارجية والإقليمية، واستكمال تمدد الأيديولوجية المتطرفة في عمق الشارع المصري، عبر الاستقطاب الافتراضي والتجنيد الإلكتروني، فضلًا عن المساهمة في تمكين المؤسسات الدينية الرسمية، والإشراف على تدريبها فكريًا وثقافيًا بما يحقق التوازن في أداء دورها ضمن إطار مؤسسي منسق، بما يسهم في تفكيك الخطاب الفكري المتطرف، وعرقلة الحملات الممنهجة لإسقاط الدولة الوطنية كمرجعية مناهضة لمشروع "إقامة الخلافة" أو "الأممية الأصولية". 

يتطلب المشروع مجموعة من الآليات التنفيذية، منها إطلاق المجلس الأعلى للأمن الفكري كمظلة رقابية، وتأسيس أكاديمية "الأمن الفكري" لتأهيل الكوادر الحكومية والمجتمعية (دبلومات متخصصة في مكافحة التطرف والإرهاب والأمن الفكري)، وإنشاء مركز وطني للرصد والتحليل الفكري، وتدشين برنامج وطني للوعي المجتمعي يستهدف المدارس والجامعات والمناطق الريفية (مشروع ثقافي)، فضلًا عن توحيد الخطاب الإعلامي والديني والتربوي حول مفاهيم الوسطية والانتماء الوطني.

يقع على عاتق وزارة "الأمن الفكري" إعداد الاستراتيجية الوطنية للأمن الفكري، وإنشاء قاعدة بيانات فكرية لرصد الخطاب المتطرف والشائعات، وإعداد تقارير فكرية دورية تُرفع إلى مجلس الأمن القومي، والتنسيق مع وزارات التربية والتعليم والتعليم العالي والثقافة والأوقاف والأزهر الشريف، لإدماج قيم الأمن الفكري في المناهج، وإعداد دورات تدريبية للمعلمين والدعاة والإعلاميين والنقابات المهنية، والإشراف على حملات توعية وطنية عبر الإعلام التقليدي والرقمي، وإنتاج مواد فيلمية ووثائقية وبرامج توعوية، ودعم البحث العلمي في مجالات التطرف، وإصدار مجلة علمية متخصصة في الأمن الفكري، وبناء شراكات مع منظمات المجتمع المدني ومراكز الفكر الدولية، وزيادة التعاون الدولي في ملفات مكافحة التطرف الفكري، لتعزيز الدبلوماسية الفكرية المصرية.

ما طرحناه ليس بعيد المنال، لكنه في النهاية مشروع دولة وليس مشروع أفراد أو مؤسسات أو كيانات مدنية، ولا يأتي في إطار الرفاهية أو الكمالية، لكنه بات ضرورة واقعية تحتاج من دوائر صنع القرار المصري النظر إليه بعين الاعتبار والاهتمام، حمايةً للمجتمع بدوائره المختلفة، وحفظًا للعقول والأجيال القادمة حتى لا تقع في مستنقع التغريب والتخريب المتعمد، الذي يُمارس الآن علنًا وفق الأطر العلمية والبحثية، وكذلك لمحاولة تحجيم الهوة بين المواطن والدولة وأجهزتها التنفيذية، ومن ثم تعزيز مؤشرات الثقة المجتمعية تجاه مفاهيم الدولة الوطنية.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء