رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

السخرية من العرض إلى المرض.. علي جمعة يوضح كيف نتعامل مع الساخرين

الدكتور علي جمعة
الدكتور علي جمعة

قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء ومفتي الجمهورية الأسبق، إن الله عز وجل نهانا عن السخرية بالمؤمنين؛ في ذواتهم، وفي أفعالهم، وفي أفكارهم، وفي آرائه كما نهانا أن يسخر الرجالُ من الناس – من الرجال أو النساء – والنساءُ من الناس – من النساء أو الرجال – ونبَّهنا ربُّنا سبحانه وتعالى إلى ذلك، وأمرنا بالتوبة إن وقعنا فيها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا أبي ذرٍّ رضي الله تعالى عنه: «إنك امرؤٌ فيك جاهلية» عندما سخِر من بلالٍ رضي الله تعالى عنهما.

السخرية قد تتحول إلى مرض

وأوضح "جمعة" أن الإنسان قد يقع في ذلك على سبيل العَرَض، وقد يتمكَّن فيه ذلك فيكون مرضًا. وسواء أكان على سبيل العرض أو على سبيل المرض، فإنه يجب عليه أن يُبادر بالتوبة، وأن يستغفر ربَّه، وأن يتأسف لمن سخِر منه.

وأشار إلى أن الله أمرنا – في شأن أولئك – أن نتركهم جانبًا، وأن نستمر في طريقنا، وأن يكون هدفنا هو الله، وأن يكون الله هو مقصودنا، وأن يكون الله سبحانه وتعالى هو غايتنا. "الله مقصودي، ورضاه مطلوبي".

وأكد أن قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إنما هي خطابٌ للمؤمنين، خطابٌ لمن صدَّق بالله ورسوله، ولكنه غفل عن نفسه فسخر من أخيه؛ فحينئذٍ يجب عليه أن يُبادر بالتوبة، فإن لم يفعل فقد ارتضى لنفسه أن يكون في دائرة الظالمين، والظلمُ ظلماتٌ يوم القيامة.

وأوضح الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف ومفتي الجمهورية الأسبق أن ربّنا سبحانه وتعالى يتكلَّم عن هؤلاء الأفراد الذين يسخرون من المؤمنين حتى في مجتمعات الإسلام، فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ۝ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ۝ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ۝ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ ۝ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ۝ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ۝ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ۝ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المطففين: 29–36).

قصة سيدنا نوح عبرة

وفي قصة نوحٍ يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (هود: 38).

يعني: فيه ردٌّ للعدوان، ورفعٌ للطغيان، ومحاولةٌ للإسكات، لكنه ليس من شأن المؤمن أن يبدأ بالسخرية، وأن يفعلها.

إذن هناك سخرية من الملأ: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ۝ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (هود: 38–39).

ردَّ عليهم نوحٌ عليه السلام، لكن بأدبٍ راقٍ، لا يقصد السخرية منهم في نفسه، وإنما يقصد أن ينصر قضية الله سبحانه وتعالى.

إذن فهذا ديدنُهم من قديم؛ لم يكن في عصر نوحٍ فقط، ولا في عصر النبي ﷺ فقط، ولا الآن فقط.

وهو عنوان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾. وهو عنوان الضحك والسخرية والاستهزاء. فالسخرية ليست من خُلُق المؤمن.

ماذا نفعل مع الساخرين؟

وقد فعل المرسلون من قبل في التعامل مع أولئك: "المقاطعة".

إذا عرفت من أحدهم هذا، وعرفت أنه تحوَّل من عَرَضٍ إلى مرض – إن كان مؤمنًا – أو من حدِّ المودَّة إلى حدِّ الإجرام إن كان غير مؤمن، أو من حدِّ المفاصلة والعدوان إن كان من الملأ – فعليك أن تُقاطعه. لا تقرأ له، ولا تسمع لكلامه؛ لأن كلامه من اللغو. وسِرْ في طريقك.

واختتم الدكتور علي جمعة كلامه قائلا: علاج آفة الاستهزاء والسخرية هو المعرفة والتحقّق بأن الاستهزاء – وإن كان مقصودُك منه إخزاءَ غيرك عند الناس – فأنت بذلك تُخزي نفسك عند الله.

فلو تفكرت في حسرتك، وجنايتك، وخجلك، وخزيك يوم القيامة، لكان هذا دافعًا لضبط سلوكك، ولعدم الإتيان بمثل هذا؛ ولذلك قالوا: إن الإيمان باليوم الآخر هو الذي يتحكم في سلوك الإنسان في الدنيا. وكما قيل: معظم النار من مستصغر الشرر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء