رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في قلب مدينة سمرقند التاريخية، حيث التقت الحضارات القديمة وتبادلت الشعوب الحكايات والعلم، اجتمعت وفود أكثر من 175 دولة لتنتخب مديرًا عامًا جديدًا لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ، اليونسكو.


وفي لحظةٍ ستُكتب في التاريخ الثقافي والسياسي للعالم، جاء القرار بأغلبية ساحقة: 172 دولة من أصل 175 اختارت الدكتور خالد العناني، المصري والعربي والإفريقي، ليكون على رأس هذه المنظمة الأممية العريقة.

 

لم يكن هذا التصويت مجرّد فوزٍ إداري أو بروتوكولي، بل كان تتويجًا لرحلة طويلة من العمل الدبلوماسي والفكري امتدت لأكثر من ثلاثين شهرًا، قادتها الدولة المصرية بإصرار وصبر، تحت إشراف مباشر من القيادة السياسية.


ومن خلال هذا الفوز، أعادت مصر التأكيد على أنها ليست فقط حاضنة للتاريخ والتراث، بل أيضًا شريك فاعل في صياغة مستقبل الثقافة والتعليم والعلوم في العالم.

 

•رمزية الحدث ومغزاه السياسي

 

أن يفوز مصري بهذا المنصب للمرة الأولى في تاريخ المنظمة، فهو انتصار للهوية المصرية والعربية أمام خريطة دولية متشابكة تتنافس فيها القوى الكبرى على النفوذ الرمزي والثقافي بقدر ما تتنافس على النفوذ العسكري والاقتصادي.


اليونسكو ليست مجرد مؤسسة تُعنى بالتراث، بل هي في جوهرها ساحة صراع ناعم حول من يمتلك تعريف الثقافة، ومن يحدد أولويات المعرفة في القرن الحادي والعشرين.

 

ولذلك، فإن وصول الدكتور خالد العناني إلى موقع القيادة فيها، بدعم شبه إجماعي من دول العالم، يحمل دلالات متعددة:


• أولها، الثقة الدولية في الكفاءة المصرية، وفي المدرسة الفكرية التي تمزج بين الأصالة والتجديد.


• وثانيها، قوة الدبلوماسية المصرية الحديثة التي نجحت في بناء تحالفات هادئة وممتدة دون ضجيج إعلامي.


• وثالثها، إيمان العالم بدور مصر الحضاري والثقافي، الذي لا ينضب رغم كل التحولات والاضطرابات الإقليمية.

 

• من عالم الآثار إلى قيادة الثقافة العالمية

 

خالد العناني ليس دبلوماسيًا تقليديًا، بل أكاديمي ومفكر جاء من قلب الحضارة المصرية القديمة.


من المتحف المصري الكبير إلى الوزارة، كان دائمًا يحمل رؤية تجمع بين التراث كذاكرة والإنسان كغاية.


في شخصه، تتجسد صورة مصر الحديثة: بلدٌ يجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين التاريخ الذي يُلهم والمستقبل الذي يُبنى بالعقل والعلم.

 

تجربته الطويلة في العمل الأكاديمي والإداري والثقافي جعلته مؤهلًا لقيادة منظمة تواجه اليوم تحديات غير مسبوقة:


• كيف نحافظ على التراث الإنساني في زمن الحروب الرقمية والنزاعات المسلحة؟


• كيف نجعل التعليم أداة للسلام لا للفرز الطبقي؟


• وكيف نضمن أن أصوات الجنوب العالمي — إفريقيا والعالم العربي — تجد صداها في مؤسسات تُدار غالبًا من الشمال؟

 

•  مصر وسياسة “القوة الناعمة” الجديدة

 

منذ سنوات، تبنت مصر رؤية تقوم على استعادة قوتها الناعمة — الثقافة، الفنون، التعليم، والرمزية الحضارية — كركيزة من ركائز سياستها الخارجية.


وهذا الفوز في اليونسكو هو أحد ثمار هذا التوجه الذي يقوده الرئيس عبد الفتاح السيسي، والذي جعل من الانفتاح الثقافي والحضور الدولي المتوازن أداةً لإعادة صياغة صورة مصر في العالم.

 

وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، د. بدر عبد العاطي، عبّر عن ذلك بوضوح عندما هنّأ الرئيس والشعب المصري والعربي والإفريقي على هذا الإنجاز، مؤكدًا أن ما تحقق ليس مجرد منصب، بل رسالة حضارية من مصر إلى العالم.

 

• عين المرأة العربية على الحدث

 

كإمرأة عربية تتابع المشهد، لا يمكنني أن أنظر إلى هذا الفوز إلا كعلامة على أن الهوية لا تموت مهما تغيرت الظروف، وأن العرب — حين يصدقون في رؤيتهم ويعملون بصمت — قادرون على الوصول إلى أعلى المنصات العالمية.


هو أيضًا انتصار للثقافة على الضجيج، وللعلم على الفوضى، وللإرث الإنساني على الجهل والعنف.

 

ربما لا تهتم المرأة العربية عادة بتفاصيل انتخابات المنظمات الأممية، لكنها بالتأكيد تشعر بالفخر حين ترى اسمًا عربيًا يقود مؤسسة تُعنى بالتربية والعلم والثقافة

 

لأنها تدرك بالفطرة أن الثقافة هي شكل من أشكال الحماية ، حماية العقل من التبعية، والهوية من الذوبان، والإنسان من فقدان ذاته في عالم متسارع.

 

خاتمة: من سمرقند إلى القاهرة

 

من بين أصوات 172 دولة، خرج صوت واحد يُعيد لمصر والعرب حضورهم في مؤسسة تمثل ذاكرة الإنسانية.
إنه فوز لا يخص رجلًا فقط، بل أمةً بأكملها سعت لأن تكون جزءًا من المستقبل لا مجرد شاهد عليه.

 

وبينما يفتح الدكتور خالد العناني أبواب اليونسكو من جديد، تفتح المرأة العربية قلبها للأمل ، أن يعود العقل العربي ليقود بالمعرفة، أن يصبح التعليم جسرًا للتنمية، وأن تظل الثقافة هي أجمل وجه لنا أمام العالم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء