رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

منذ فجر التاريخ، كانت مصر بوصلـة الأمة ودرعها الواقي، وحين يضطرب الإقليم وتتشابك الأزمات، تتجه الأنظار دائمًا إلى القاهرة؛ حيث يجتمع النبض العربي والعقل الاستراتيجي في آنٍ واحد.


ليست مصر دولة عادية في الجغرافيا أو في السياسة، بل هي الركيزة التي يستند إليها العالم العربي حين تميل الموازين، وصوت الاتزان حين ترتفع الأصوات بالتصعيد والقطيعة.


في حرب غزة الأخيرة، برهنت مصر على أن الدبلوماسية ليست ضعفًا، بل أعلى درجات القوة والحكمة. 

 

فبينما كانت النيران تلتهم الأبرياء، كانت القاهرة تتحرك بصمتٍ فعّال لتوقف نزيف الدم وتحافظ على ما تبقّى من أملٍ في سلامٍ عادل.


من خلال اتصالاتها المكثفة مع واشنطن وتل أبيب والسلطة الفلسطينية والفصائل، ومع الأطراف العربية والدولية، نجحت مصر في فرض منطق الإنسانية والسياسة على منطق السلاح، وأسهمت في تثبيت الهدنة، وفتح ممرات الإغاثة، وإيصال صوت الضمير العربي إلى العالم.


رفضت القاهرة كل الصيغ التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية أو تهجير سكان غزة، وأعلنت بوضوح أن أمن مصر القومي يبدأ من حدود فلسطين، وأن القدس ستبقى البوصلة الأخلاقية للأمة بأسرها.


وفي الجنوب، حيث اشتعلت الأزمة السودانية، لم تقف مصر متفرجة، بل تحركت بعقل الدولة ومسؤولية الأخ الأكبر. ففتحت حدودها أمام النازحين، وقدّمت المساعدات الإنسانية، ودعت إلى حوار سوداني–سوداني يوقف نزيف البلاد ويحافظ على وحدة أراضيها.


لم تسعَ القاهرة إلى النفوذ أو الهيمنة، بل إلى استعادة السودان لدوره الطبيعي كعمقٍ استراتيجي وشقيقٍ تاريخي، لأن استقرار وادي النيل قضية مصير مشترك لا تقبل المساومة.


سياسة مصر الخارجية اليوم تُترجم مدرسة في الاعتدال: لا تتورط في مغامرات، ولا تخضع لابتزاز، وتوازن بين المصالح الوطنية والعربية بمنهجٍ يقوم على احترام السيادة، ودعم الحلول السلمية، ومواجهة التطرف أينما كان.


فمن ليبيا إلى اليمن، ومن سوريا إلى لبنان، ظل الموقف المصري منارة اتزانٍ وسط بحرٍ من الصراعات؛ تمدّ يدها للحوار حين يتجه الآخرون إلى القتال، وتجمع الصف حين يسعى غيرها إلى التفريق.


لقد أدركت القاهرة أن القيادة لا تُنتزع بالقوة، بل تُكتسب بالمسؤولية والقدرة على صناعة التوافق. 

 

لذلك ما زالت مصر، رغم كل التحولات الإقليمية والدولية، المحور الذي تُبنى حوله التوازنات العربية، والضامن الأول لعدم انزلاق المنطقة نحو الفوضى الشاملة.


وهكذا، تبقى مصر — بتاريخها وموقعها ووعيها السياسي — قلب العروبة النابض وعقلها الواعي، لا تنحاز إلا للحق، ولا تتحرك إلا دفاعًا عن السلام

 

 مؤمنةً أن قوتها الحقيقية تكمن في قدرتها على جمع الشمل، لا في تأجيج الصراع. فحين تنطق القاهرة، يُصغي الجميع، لأنها ببساطة صوت العرب حين يصمت العالم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء