لم يعد البرد مقتصرًا على الطقس، فهناك نوع آخر منه أكثر قسوة، وهو الذي يسكن العلاقات بين الناس، فتبدو الوجوه مبتسمة لكنها في العمق متعبة، فقد صرنا نتبادل الرسائل كل يوم، لكننا نفقد تلك اللمسة التي تقول دون كلام: “أنا هنا.. أنا معك”.
وأصبح زماننا يُقاس فيه الحضور والمحبة بعدد الرسائل والابتسامات، لا بصدق النية وبات الدعم الإنساني عملة نادرة، والدفء العاطفي رفاهية لا يقدر عليها الجميع.
نحن نعيش عصرًا يقدّس السرعة وينسى التوقف من أجل الآخرين، فالكل يركض بأنفاسٍ محرقة خلف إنجاز أو مصلحة أو فكرة عن “النجاح” أو حتى “الهروب”، حتى أصبحت المشاعر عبئًا، والاستماع إلى أوجاع الآخرين ترفًا لا وقت له.
ومع الوقت، تحوّل الدعم إلى كلمات سريعة: “شدّ حيلك”، “ربنا يعوّض”، “اللي جاي أحلى”، “كل شيء هيعدي”، لكن أحدًا لا يبقى حقًا حتى “يعدي”.
نظريًا، لم تكن البشرية أقرب إلى بعضها كما هي اليوم، لكن عمليًا لم تكن أبعد من ذلك يومًا، نحن على اتصال دائم، لكننا لا نتواصل حقًا، نتابع بعضنا على الشاشات أكثر مما نعيش معًا في الواقع، تراجع الصدق لحساب المجاملة، وغاب العمق لصالح التفاعل السريع، حتى كلمات الدعم أصبحت رموزًا باردة وإيموجيّات تحفظ ماء الوجه لا حرارة القلب.
لم يعد الصمت علامة ارتياح كما كان، بل صار حاجزًا بين القلوب، نتجنّب الصراحة خوفًا من الفهم الخاطئ، ونختصر مشاعرنا حتى لا نُتّهم بالمبالغة، أصبح التعبير عن الوجع نوعًا من الضعف، والبوح تهمة لا ينجو منها أحد.
لكن الحقيقة أن أعمق ما نحتاجه أحيانًا ليس جوابًا، بل أذنًا تسمعنا بصدق، وصدرًا يحتمل فوضانا دون أن يحاول تهذيبها، في زمنٍ يُخيفنا فيه سوء الظن والاتهامات، يصبح الصمت المشترك أصدق أشكال التواصل.
فتقتنع آنذاك أن البرود لا يكون دائمًا قسوة، بل وسيلة بقاء. الكثيرون يتعاملون بجمود لأنهم خائفون من التورّط في وجع جديد، لكن وسط هذا الجليد يظل هناك من يختار الدفء فعلًا لا قولًا، من يقترب دون فضول، ويدعم دون شروط، ويشعر دون حاجة إلى تبرير، ويحب دون تفسير.
أذكر يوم مررت بأزمة ظننت أنني سأسقط فيها وحدي، في تلك الليلة كانت صديقتي معي ولم تتركني للحظة، جلست بجانبي وأنا أبكي بحرقة، ولم تسأل، لم تتطفّل، لم تحاول إصلاح ما لا يُصلح.
كان كل همّها أن أكون بخير.. فقط بخير، وأن تعود روحي وابتسامتي، حين غلبني التعب ونمت، استيقظت لأجدها تضع كمادات باردة على عينيّ حتى لا يلاحظ أحد أنني بكيت، لم تواسني بالكلام، بل سترت حزني عن العالم، هي الصديقة التي فهمت أن الدعم ليس سؤالًا ولا نصيحة، بل هو حضور صامت يشبه العناق.
هناك دفء لا يُقاس بالحرارة، بل بالأثر الذي يتركه في الروح، دفء يجيء في هيئة رسالة في وقتٍ متأخر، أو نظرة طمأنة وسط الفوضى، ربما في كوب قهوة أعدّه أحدهم بصمت، أو في ابتسامة عابرة من شخصٍ غريب.
هي تفاصيل صغيرة لكنها قادرة على إنقاذ يومٍ كامل من الانهيار، لأن الإنسانية لا تُقاس بالأفعال الكبيرة، بل باللحظات البسيطة التي نمنح فيها قلوبنا للآخرين بلا خوف.
الدعم الإنساني لا يحتاج فلسفة، بل صدقًا، ليس في النصائح، بل في المشاركة، في الجلوس بصمتٍ إلى جوار قلبٍ مكسور، أن تترك أحدهم يبكي دون أن تُشعره بالضعف، أن تكون عينه الثانية حين يغشاه الألم، أن تقول “أنا هنا” بالفعل، لا بالعبارة.
في زمن البرود، يصبح الدفء فعل مقاومة، أن تظل إنسانًا وسط الزحام هو أجر في حد ذاته، ربما لا نستطيع إصلاح العالم لكننا نستطيع أن نكون “دفئًا صغيرًا” في حياة أحدهم.
وجهٌ آمن لا يخون ولا يؤذي ولا يوجع في السراء والضراء، لأن الدعم الإنساني لم يعد ترفًا، بل ضرورة وجودية في عالم يزداد برودة، كل كلمة صادقة، كل لمسة حنان، هي نوع من الإنقاذ.
وتذكّر.. ربما كانت جملتك البسيطة سببًا في نجاة أحدهم دون أن تدري.