رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

قال أحد المدخنين يومًا لأحد الوعّاظ: "إن التدخين مكروه وليس حرامًا". فابتسم الواعظ وقال له: "وكم سيجارة تشعل في اليوم"؟، فأجابه قائلًا: “ثلاثون أو أربعون سيجارة”K فقال له الواعظ: "أليس من الحرام أو حتى من الخطأ أن تُصرَّ على ارتكاب ثلاثين أو أربعين مكروهًا في اليوم الواحد؟".
تذكرنا تلك المفارقة العجيبة بما نحن فيه اليوم مع الهواتف المحمولة ووسائط السوشيال ميديا.

 فهي في ذاتها ليست حرامًا، وفقًا لقاعدة: "الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليلٌ على التحريم". لكن الإثم كل الإثم حين تتحول الوسيلة إلى داء، والاهتمام إلى إدمان، والوقت إلى رمادٍ يتطاير في مهبّ الفراغ، وصدق أحمد شوقي حين قال "دقّاتُ قلب المرءِ قائلَة له إِنَّ الحياة دقائق وثواني". 
حين يقضي المرء ساعاتٍ طوالًا غارقًا في بحر الشاشات بوجدانه وكامل تركيزه، ينسى واجباته، ويهمل عمله، وتضيع منه لحظات عمره التي لا تعوّض

 فإن الأمر يخرج من إطار التسلية، ويصبح مرضًا نفسيًا يُفسد القلب والمزاج، ويهزّ توازن الأسرة والعمل معًا. وهنا يتحول الحلال إلى حرامٍ لا شك فيه، لأن فيه ضررًا بيّنًا للنفس والآخرين.
ولذلك كانت خطوة وزارة الأوقاف المصرية خطوة حكيمة حين طلبت من الأئمة والخطباء على مستوى الجمهورية تخصيص خطبة الجمعة الماضية للحديث عن إدمان الأطفال للسوشيال ميديا. 

فهذا الموضوع ليس هامشيًا ولا عابرًا، بل هو موضوع مهم للغاية يتماشى مع التجديد المنشود للخطاب الديني، ويمس جرحًا مفتوحًا في جسد المجتمع، ويعالج معاناة حقيقية تعيشها كل أسرة وكل مدرسة. 
لقد أصبحنا نرى الأطفال، في بيوتنا ومدارسنا بل وفي نوادينا الرياضية، أسرى لهواتفهم الذكية، ينسون واجباتهم ودروسهم بل وطعامهم، ويعيشون في عالمٍ افتراضيٍّ يبتلع براءتهم، ويتقلب مزاجهم مع إشعارات الهاتف كما تتقلب الريح ويفتقرون، بسبب قضاء معظم يومهم على الهواتف، إلى مهارات التواصل الاجتماعي الحقيقي مع البشر، وهو الأمر الذي سيعود بالسلب على تعاملاتهم في المستقبل، بعد تخطي مرحلة الطفولة والشباب والنزول إلى سوق العمل.  
وحين يُنتزع الهاتف من أيدي بعض الأطفال، تثور فيهم عاصفة غضبٍ لا تختلف كثيرًا عن غضب مدمنٍ حُرم جرعته اليومية، بصورة تجعلنا ندرك، تمام الإدراك، أن الإدمان، مهما اختلفت وسيلته، يظل ملةً واحدة.. 

فلا فرق بين من أُغلق عليه باب غرفةٍ يغرق فيها في دخانه، ومن أُغلق عليه باب شاشةٍ يغرق فيها في عالمٍ من الوهم.
إنني أرى أن خطوة وزارة الأوقاف المصرية تستحق كل تحية وتقدير، فهي بحقّ خطوة واعية تعبّر عن رؤية متجددة وقراءة عميقة لنبض المجتمع. 

إنها ثمرة جديدة من ثمار التحديث والتطوير، ووجه من وجوه الاشتباك الإيجابي مع القضايا اليومية التي تمس الفرد والأسرة والمجتمع معًا.
غير أن هذه الخطوة، على روعتها، يجب ألا تكون نهاية الطريق، بل بدايته. 

فالسوشيال ميديا أصبحت اليوم خطرًا صامتًا يتسلّل إلى العقول والقلوب، لا سيما عقول الأطفال والشباب الذين هم، بحق، أمل هذا الوطن ومستقبله النابض بالحياة.

 ومن هنا، أرجو أن تتوالى الخطب والدروس التي تتناول هذه القضية من زوايا متعددة، تكشف أبعادها النفسية والاجتماعية والدينية. 
كما أتمنى أن تتضمّن تلك الخطب شيئًا من المعرفة الحديثة والإحصاءات الدقيقة الصادرة عن المراكز البحثية المتخصصة، فكم من كنوز فكرية وأرقامٍ واقعية تظلّ حبيسة الأوراق والدراسات لا يسمع بها إلا القلة من المثقفين والباحثين، في حين أن جمهور المساجد أولى بمعرفتها وتأملها.
إنّ أئمتنا وخطباءنا، بما حباهم الله من فصاحةٍ وصدقٍ وتأثير، قادرون على أن يجعلوا من هذه المعلومات الجافة كلماتٍ تنبض بالحياة، تصل إلى القلوب قبل الآذان، وتفتح في العقول نوافذ وعيٍ جديدة.


حفظ الله وطننا من كل شر، وصان أبناءه من كل فتنةٍ تُلهيهم عن طريق العلم والعمل والإيمان.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء