سن الله تعالى الزواج للبشر وجعل له أخلاقيات من تبعها حاز سعادة الدنيا والآخرة، كما سن أيضاً الطلاق وجعل له أخلاقيات من تبعها حاز سعادة الدنيا والآخرة.
وهناك مقولة لأحد العلماء عندما سُئل لماذا أنزل الله تعالى سورة "الطلاق" ولم ينزل سورة "الزواج"؟ فأجاب: لأننا نعرف جيداً كيف نتزوج، لكننا لا نعرف كيف نطلق.
فعند الزواج تغني حولنا عصافير الجنة، أما عند الطلاق فنكون داخل اعصار ناري عنيف، لذلك كانت الآيات التي تبين أخلاقيات الطلاق بالقرآن الكريم أضعاف آيات الزواج.
فلنر آيات الله تعالى التى يبين لنا فيها ما يحبه ويرضاه عند الطلاق، وحتى لا تطول المقالة سأذكر فقط الجزء من الآية التي تبين أمر الله تعالى، فكل جملة هى جزء فقط من آية اخترتها لأنها تعبر عن الخُلق الذي يجب التخلق عند حدث أو مرحلة من مراحل الطلاق.
".. وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ.." 228(البقرة).
المطلقة لها كل ما يرى المطلق أنه من حقه، فإن كان الرجل يرى أن على مطلقته أن تعدل معه، فهى أيضاً من حقها أن يعدل معها، وأن يعطيها حقوقها بالمعروف، وإن كان يرى أن عليها ألا تضره في أولاده، فعليه أيضاً ألا يضرها في أولادها.. وهكذا
كل ما يطالب به ويرى أنه من حقه، لابد أن يعلم أن الله تعالى حكم بأن لها مثله وبالمعروف.
هذا الخلق العالي الذي وصفه رسول الله عليه الصلاة والسلام بقوله: " لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ " رواه البخاري.
اشترط رب العالمين في استمرار الزواج أن يكون التعامل بما هو معروف من حسن الخُلق، فإن لم يكن، فالإنفصال يجب أن يكون بالإحسان، وهو أعلى من المعروف "..
فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ .." 229 (البقرة).
إن الإحسان هو أداء كل خطوة بأحسن ما يكون من الحسن و الأدب والمراعاة والمروءة، ثم نبه لأمر هام، وهو تحريم أن يأخذ أي شيئ مما آتاها، إلا عندما يتفقا على عدم قدرتهم على القيام بحدود الله التي ذكرها في أول الآية، وهى أن يتعاملا معاً بالمعروف.
عند اتخاذ قرار العودة للحياة الزوجية بعد واقعة الطلاق، يأتي أحن تعبير، لابد أن يتراضوا بالمعروف،" .. إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ.. " 232 (البقرة).
صورة من أرقى صور الإتفاق، وقعها على النفس من أجمل ما يمكن، وهى تدل على الخلق العالي الذي يطالبنا رب العالمين أن نتعامل به
فلا اجبار ولاعودة بدون تراضي النفوس واتفاقها، لا يأخذ طرف قرار بمفرده ولا يحق له ذلك، فمن يتخلق بهذا الخُلق؟ "ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر" إنه المؤمن الذي يؤمن أن هناك آخره وحساب أمام الرقيب الحسيب.
على المطلق رعاية مطلقته التي ترضع طفلهما فيمدها بما يكفيها من الطعام والكسوة بما هو معروف أنه يكفي ويقوم بالغرض، " .. وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ.. " 233 (البقرة).
فرعاية الأطفال بعد الطلاق لابد ألا يُنتقص منها وذلك من خلال الاهتمام بأمه التى ترعاه.
يدعونا رب العالمين بعد وقوع الطلاق والإنفصال، ألا يتخذ المطلقين الأولاد سلاح ضد بعضهم البعض،".. لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ.. " 233 (البقرة).
يأمرهم بالحفاظ على أنفسهم من الظلم، ويأمرهم بالحفاظ على أولادهم مما يدمرهم.
صورة من أرقى صور التفاهم بين مطلقين، " .. فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ.. " 233 (البقرة).
نأخذ وقتنا لنستمتع بكلمتي تراض وتشاور.. هكذا تؤخذ القرارت عند الطلاق، فكيف هى أثناء الزواج، لابد أن يكون التراضي والتشاور أثناء الحياة الزوجية مضاعفاً وفي أعلى درجاته.
هنا المطلقين إذا أرادا فطام الطفل قبل تمام السنتين، فلهما أن يتخذا هذا القرار معاً بالتراضي والتشاور، وهكذا في كل قرار يمس الطفل، لابد أن يكون بالتراضي والتشاور ولا يكون لقهر طرف أو الضغط عليه
هذه هى أخلاق القرآن الكريم كلام رب العالمين، هذا هو الدين الحق والعمل الذي عليه الثواب والعقاب.
وعد بالغنى من الواسع الحكيم سبحانه لكل من يتفرقا بالمعروف والإحسان ".. وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا.." 130 (النساء).
ومن أصدق من الله قيلاً، لا أحد أصدق من رب العالمين الذي يقيناً يحقق وعوده لمن يطيعه، فهو سبحانه يدعونا لأن نحيا أطيب وأرقى حياة، يعلمنا أن الفراق ليس نهاية الحياة، بل بداية حياة أخرى طيبة لمن يفارق بالمعروف ويتخلق بأحسن الأخلاق.
ذوقيات راقيه متحضرة " فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا " 49 (الأحزاب). إذا طلق الرجل المرأة قبل أن تكون بينهما علاقة زوجية، فليس عليها فترة عدة، وعليه أن يمتعها أي يهديها قدراً مناسباً من المال أو هدية قيمة كنوع من الترضيه وينفصلا انفصالاً جميلاً.. الله على الجمال كله، الحمدلله على ما يعلمه رب العالمين لنا من الأخلاق العظيمة.
في المقال التالي نستكمل هذه الأخلاقيات الراقية..