مبانٍ بلا روح.. المثقفون يطلقون صرخة لإنقاذ قصور الثقافة بالأقاليم|خاص
تشهد قصور ثقافة الأقاليم إشكاليات تتمثل في تراجع بعض أنشطتها نتيجة الميزانية المخصصة لها، ومن الأمثلة على مشكلات ثقافة الأقاليم هو الترميم الذي يستمر بالسنوات، بعض الأنشطة التي كادت أن تختفي مثل الفن التشكيلي والمسرح.

الشاعر إبراهيم عمارة
وفي هذا الإطار، قال الشاعر عمارة إبراهيم، إن قصور الثقافة بشكل عام، وقصور ثقافة الأقاليم بشكل خاص، منوطة بتقديم الثقافة في الأدب والمسرح والغناء والفن الشعبي، وكل أشكال الثقافة، وفي الوقت الحالي تواجه قصور الثقافة تراجعا في دورها بالأقاليم.
وأشار عمارة في تصريح خاص لـ"إيجبتك"، إلى أن قصور الثقافة أصبحت لا تخرج عن مجموعة من الأدباء يسعون لقضاء وقت ممتع يقرأون فيه الشعر والقصص، فضلًا عن مجموعة من المواهب التي تقوم بعمل بعض التحف الفنية، قائلًا إن هذا ما تقدمه قصور الثقافة في الوقت الراهن بسبب ميزانيتها.
ميزانية التثقيف
ولفت إلى أن ميزانية التثقيف هائلة لكنها بالكاد تكفي مرتبات العاملين، مضيفًا أن قصر ثقافة أسيوط حتى تعمل به فرقة موسيقية يحتاج ما لا يقل عن 200 إلى 300 ألف جنيه، لافتًا إلى أن ذلك ينطبق على فرقة المسرح والموسيقى، ولذلك لابد من وجود البديل.
البيروقراطية تسيطر على قصور الثقافة
وأضاف عمارة إبراهيم، أنه من الممكن تفعيل أنشطة تدر دخلا لقصر ثقافة المحافظة، قائلًا: "هذا الفكر غير موجود لأنه ما زالت تسيطر علينا البيروقراطية"، مشددًا على ضرورة وضع خطط بديلة هي التي تأتي بالربح والدعم.
وأضاف، قصور الثقافة تلعب دورًا مهمًا في التوعية بمخاطر الإرهاب بل ومنعه من خلال الفكر الصحيح، وإيجاد لغة التحضر من خلال الشعر الصحيح والفكر الصحيح والموسيقى والدراما الصحيحة.
الهيئة العامة لقصور الثقافة
يجدر الإشارة إلى أن الهيئة العامة لقصور الثقافة تعد شريانًا مهما للحياة الثقافية المصرية، فهي تربط بين الدولة والمواطن عبر القصص والفنون والمكتبات والورش، وتمثل جسراً لتحقيق الثقافة الشاملة لكل المصريين، وإحدى المؤسسات الثقافية التابعة لـ “وزارة الثقافة المصرية”، وقد أنشئت بقرار رئاسي في 23 مارس 1989.
الكاتب سيد شليل
وقال الكاتب سيد شليل، إن قصور الثقافة تعاني في الوقت الراهن من حالة تفريغ متعمدة للكوادر الثقافية، أدت إلى تراجع دورها التاريخي في إثراء الحركة الثقافية المصرية.
وأوضح شليل في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك": أن هذه القصور كانت في الماضي منارات حقيقية للوعي، إذ كانت الأسر المصرية تتردد عليها لمشاهدة أفلام عالمية ومسرحيات متنوعة، فضلًا عن الأنشطة الموجهة للأطفال والشباب، أما الآن، فقد أصبحت – على حد تعبيره – «مبانٍ بلا روح»، بينما يعتمد المثقفون على تجمعاتهم في المقاهي والندوات الخاصة لتعويض غياب الفعاليات الرسمية.
وأضاف: أن الحل يبدأ بإعادة الأنشطة الثقافية والفنية داخل المدارس، واكتشاف المواهب منذ الصغر كما كان يحدث قديمًا، حين كانت هناك حصص للموسيقى والرسم والمطالعة، وكان يتم تبني الموهوبين ودفعهم للمشاركة في قصور الثقافة ليشقوا طريقهم الصحيح نحو الإبداع.
الشاعر شريف شجاع
وأكد الشاعر شريف شجاع، أن قصور الثقافة في الماضي، وتحديدًا في فترة الستينات حين كانت تُعرف باسم "الثقافة الجماهيرية"، وكانت أكثر قربًا من الشارع والجمهور والرواد، وكان من الطبيعي أن يقدّم العاملون بها منتجًا إبداعيًا حقيقيًا يُعبّر عن الناس ويقترب من وجدانهم، سواء من خلال الرواد أو الموظفين أنفسهم، الذين كان عليهم واجب الإسهام في إنتاج ثقافة جماهيرية حقيقية.
وأوضح شجاع في تصريح خاص لـ"إيجبتك"، أن تلك المرحلة شهدت أيضًا نشاطًا واسعًا ضمن مشروع "القراءة للجميع" الذي أطلقته السيدة سوزان مبارك، مؤكدًا أن الوضع الآن يختلف تمامًا، إذ أصبحت قصور الثقافة في حالة من التراجع والانكماش الشديد، خاصة في الأقاليم مثل محافظة المنيا.
أزمة قصور الثقافة
وأضاف شجاع أن الأزمة الحقيقية تكمن في أن معظم موظفي قصور الثقافة لا يمتلكون مؤهلات فنية أو إبداعية تؤهلهم لهذا الدور، وقال إن كثيرًا منهم حاصلون على مؤهلات متوسطة مثل دبلوم الزراعة أو التجارة أو الصناعة، وحتى الحاصلين على مؤهلات عليا يعملون بعقلية الموظف الإداري لا المبدع الثقافي، مؤكدًا أن هذا الوضع أفرغ المؤسسة من مضمونها الثقافي وأفقدها حيويتها.
وتابع: الحل يبدأ بإعادة النظر في التركيبة الوظيفية داخل القصور، من خلال انتداب موظفين مؤهلين خريجي أكاديمية الفنون وكليات الآداب والفنون الجميلة والمسرح، حتى يصبح العمل الثقافي في يد المتخصصين القادرين على تقديم محتوى إبداعي حقيقي.
وأشار إلى أن غياب الرقابة المالية والإدارية المنتظمة ساهم في تفاقم الأزمة، داعيًا إلى تطبيق نظام البصمة الإلكترونية لضبط الحضور والانصراف، موضحًا أن الموظفين في أغلب القصور يأتون لساعات قليلة ثم يغادرون، رغم أن القصور تُنفق ميزانيات ضخمة تصل إلى ملايين الجنيهات على هذه القصور، دون أن ينعكس ذلك على الواقع الثقافي.
أنشطة قصور الثقافة
وأكد أن بعض القصور تقتصر أنشطتها حاليًا على النشاط الأدبي أو المسرحي فقط، بينما تغيب الأنشطة التشكيلية والموسيقية والفكرية، وهو ما جعل الحراك الثقافي محدودًا للغاية، مضيفًا أن كثيرًا من الموظفين يتحججون بضعف الإقبال أو بعدم وجود موارد، بينما السبب الحقيقي هو غياب الرغبة في العمل وضعف الإشراف عليهم.
ولفت شجاع إلى ظاهرة وصفها بـ “اللقطة"، إذ قال إن عددًا من العاملين أصبحوا يعتمدون على التصوير والصور الدعائية بدلًا من الأنشطة الحقيقية، فيتم نشر صور لموظفين داخل قاعات خالية أو مع جمهور صوري على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي الرسمية للهيئة أو القصور، وكأن هناك حراكًا فعليًا، في حين أن هذه الفعاليات غير موجودة على أرض الواقع، بل إن بعض الصور قديمة يتم إعادة استخدامها.
وأضاف أن هذه الظاهرة خلقت حالة من الزيف الوظيفي والثقافي، وأفقدت الناس الثقة في جدية قصور الثقافة، مشيرًا إلى أن الاعتماد على الصورة بدلاً من الفعل أصبح سمة مؤسفة في بعض المواقع الثقافية.
الكاتب سمير الفيل
وقال سمير الفيل الكاتب والشاعر والروائي والصحفي، إن قصر ثقافة دمياط يخضع للترميم ما يقرب من خمس سنوات، موضحًا أنه "منذ أيام قلائل تقابل واللواء خالد اللبان ومحافظ دمياط الدكتور أيمن الشهابي" وطالب بضرورة الإسراع في الترميم ووضع الميزانية الملائمة لذلك.
وأوضح الفيل في تصريح خاص لـ "إيجبتك"، أن الأنشطة في قصر ثقافة دمياط متوقفة، وكذلك الأمر بالنسبة لنادي الأدب الذي قلّت أنشطته، مشددًا على ضرورة الاهتمام بقصور الثقافة، قائلًا "أنه لا توجد أنشطة واضحة لقصور الثقافة، ورغم أن نجوى كيوان مديرة فرع ثقافة دمياط لديها أنشطتها وفعاليتها، إلا أن القصر "شبه مغلق" – على حد تعبيره، قائلًا: "إن هذا الوضع شبه مقبول لدى الكُتاب ولكنه غير مقبول لدى الفن التشكيلي والمسرح، مضيفًا "المكتبة أيضًا مغلقة".
وأضاف أن هذا الجيل لا يجد مكانا يمارس فيه الأنشطة الثقافية والفنية، مشيرًا إلى أنه بالسابق كان يوجد قوافل تذهب إلى الأماكن النائية لممارسة نشاط القراءة، وبالتالي يتم عمل هذه الأنشطة في المدارس بمختلف مراحلها، وهنا تلقى فعالية حقيقية قائمة على المشرفين على النشاط.
ولفت إلى أن ثقافة بلا أماكن وضع أشبه بالصعب، مشيرًا إلى أن فرقة المسرح تجري البروفات الخاصة بها في حديقة الاستاد في أماكن بعيدة، والامر يحتاج تدخل من رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي بنفسه، مشددًا على ضرورة تخصيص ميزانيات مختلفة لإجراء الترميم بشكل أسرع، لافتًا إلى أنه لا يوجد أيضًا قاعات مخصصة للفن التشكيلي.
الثقافة تحتاج لتفعيل أنشطة حقيقية
وأكد على أن الثقافة الآن تحتاج لتفعيل أنشطة حقيقية، وهذا لن يتم إلا بتخصيص ميزانيات مناسبة، لأن الثقافة عنصر مهم، قائلًا إن المكان الذي لا تسكن فيه قصور الثقافة تسكن فيه طيور الظلام على حد تعبيره.

