يتميز المصري دون غيره بارتباطه الشديد بالدين على طريقته الخاصة، فالعبارات ذات الطابع الديني لا غنى عنها في الأخذ والعطاء بالحياة اليومية، يتم تداولها باستمرار بصرف النظر عن مدى تديّن الشخص أو عن انتمائه لدين بعينه.
فقد أصبحت أقرب للعرف الشعبي أكثر من دلالاتها الدينية، ربما من هنا ظهرت عبارات مثل "المصري متدين بطبعه".
تأملت هذه الظاهرة خلال قراءتي الكتاب الذي أراه مرجعًا مهمًا في الديانة المصرية القديمة وعنوانه "متون هرمس"، فهو يفند حضور الديانة المصرية القديمة القائمة على التوحيد منذ آلاف السنين.
لا يعود الأمر لزمن أخناتون كما يعتقد البعض، فإن كان الرجل تمرد على سلطة الكهنة وقرر أن يعبد معبودًا واحدًا هو "آتون" متجسدًا رمزيًا في قرص الشمس، في ثورة دينية اشتهرت بأنها حملت إرهاصات التوحيد الأولى، لكن الأمر في الحقيقة يعود إلى أبعد من ذلك بكثير.
فمتون هرمس التي تعود للحكيم المصري تحوت، وفق مؤلفي الكتاب تيموثي فريد وبيتر غاندي، تشير في بدايتها إلى أن هذا الحكيم "تحوت" وصل من الصفاء الروحي والفكري والذهني والسمو العقلي لدرجة أنه تحوّل إلى رمز أو كائن إلهي.
وتشير المصادر إلى أنه تم تقديسه في مصر قبل عام 3000 قبل الميلاد، ويلفت هذا المرجع إلى الترجمة الخاطئة التي اعتمدتها اللغات قاصرة الرؤية والمتعصبة وضيقة الأفق لمفهوم "الكائن الإلهي" لتضع مكانه كلمة "الآلهة"، في محاولة لتوثين العقيدة المصرية القديمة بهدف تشويهها لأغراض ربما إثنية أو سياسية أو اقتصادية.
تدور عقيدة هرمس مثلث العظمة، التي وضعها المهندس والطبيب ومخترع الهيروغليفية الحكيم تحوت، وقد تحوّل بحكمته وبصيرته النافذة إلى "كائن إلهي" وهي حالة رمزية تستوجب التقديس لدى القدماء، حول فكرة "عقل الإله" أو ما يمكن تسميته "العقل الكلي للكون".
فكل شيء موجود في الكون هو فكرة في عقل الإله؛ حيث الكل في واحد، ويسعى كل إنسان على الأرض لتحرير عقله من حدوده الضيقة، ليدرك كل شيء في وقت واحد، الحاضر والماضي والمستقبل، الخير والشر وما بينهما، الوجود والعدم، وكل متناقضات الحياة تجتمع دفعة واحد في وعاء العقل.
وحين يصل الإنسان أو الكائن أيا كان لدرجة من الصفاء والتحرر العقلي تسمح له بهذا الأمر يتحول إلى "كائن إلهي" بمعنى أن عقله يصبح صورة من عقل الإله الذي يتجسد فيه الكون بكل تفاصيله الدقيقة منذ الأزل وإلى الأبد.
هذه الفكرة تطورت مع الزمن لتشكل أساس الفكر الصوفي، ومن قبله الفكر الغنوصي المسيحي، الذي يعتمد وحدة الكون وحضور الإنسان كانعكاس مادي وروحي للوجود كله، وامتد هذا التصور ليصبح معتمدًا لدى متصوفة العصور المتأخرة.
وظهرت تأثيرات فكرة وحدة الوجود المصرية القديمة وحضورها الكامل في "عقل الإله" خلال الكثير من أفكار الفلاسفة اليونانيين، خصوصا مدون هذه الحكمة، هرمس مثلث العظمة، والمرجح أنها دونت في القرن الثاني الميلادي.
ومن بعدهم الفلاسفة المسلمين، وأبرزهم إخوان الصفا.
هذه البذرة الفلسفية لفكرة الدين هي تقريبا التي شكلت معظم فلسفات الأديان الإبراهيمية فيما بعد، فالتوصل إلى العقل الكوني الأكبر والتواصل معه هو ما يخلق فيما بعد تفاصيل الشرائع والحكم والتعاليم.
ومن هنا، ولأن مصر والمصريين سباقون في هذا الأمر، استطاعوا أن يحتووا كل عقيدة ودين دخل إلى مصر، بالأحرى، تمكنوا من تمصيره وإعادته لأصوله الفكرية والفلسفية الأولى، عبر إشارات ورموز راسخة في الضمير الجمعي للمصريين.
البعض كان يصف متون هرمس التي تضم حكمة تحوت بأنها بعض من تعاليم دينية قديمة مع علوم التنجيم والسحر، ولكن مع الوقت انتبه الدارسون والباحثون إلى القيمة الاستثنائية لهذه المتون.
وكيف تمكنت من تشكيل فكرة الدين لدى المصريين خلال آلاف السنين، ولم يقتصر الأمر عند المصريين، بل زحفت الفكرة ونمت وتشعبت وتفرعت لتخلق حالة من التوحد مع عقل العالم الكلي، عبر ثقافات وديانات وعقائد شتى.