طالعت مؤخرًا عبر موقع إيچِبتِك الجدل الذي دار بين الأستاذين العزيزين النائب مصطفى بكري، والكاتب الصحفي مجدي الجلاد، حول حال الحياة الحزبية في مصر، وذلك خلال إحدى حلقات برنامج الحكاية مع الإعلامي عمرو أديب على شاشة MBC مصر.
شدّني هذا الجدل ودفعني لمشاهدة الحلقة التي أثارت كل هذا الضجيج، لكنني - في الواقع - لم أجد مبررًا لتلك الحدّة التي تعامل بها الطرفان مع القضية، فاختلاف الرأي بينهما، رغم مشروعيته، وضعني أمام مجموعة من النقاط التي أعتقد أنها قد تُنهي الجدل، وتضع النقاش حول أحزاب الموالاة والمعارضة في مصر في سياقه الحقيقي.
الكاتب مجدي الجلاد، طرح رؤيته بوضوح قائلًا: إن الساحة السياسية المصرية تفتقر إلى أحزاب قادرة على تمثيل المواطنين والتعبير عن مطالبهم بشكل واقعي، وكشف أن الأحزاب تعاني من ضعف التمويل، وغياب القواعد الجماهيرية، وانعدام البرامج الفاعلة.
لكن الحقيقة أن ما طرحه الأستاذ الجلاد، بدا قاسيًا بعض الشيء، فمصر تمتلك بالفعل عددًا معتبرًا من الأحزاب، بينها من يمتلك كوادر وكفاءات وبرامج إصلاح حقيقية في ملفات الاقتصاد والتعليم والصحة، لكنها ببساطة لم تُمنح المساحة ولا الفرصة العادلة لتطبيق هذه الرؤى أو عرضها للرأي العام.
الأزمة ليست في وجود الأحزاب، بل في البيئة السياسية والإعلامية التي لا تسمح بتكافؤ الفرص.
وللحقيقة أيضًا، فإن الحياة الحزبية المصرية ليست وليدة اليوم، إنها نتاج قرن كامل من التجارب والتقلبات، كانت فيها الأحزاب شريكًا في الحكم وصاحبة تأثير حقيقي في المجتمع، إلى أن جاءت مراحل تاريخية متعاقبة عملت على تهميش الأحزاب الحقيقية وصناعة بدائل موالية تُستخدم كواجهة شكلية للمشهد السياسي.
أما النائب مصطفى بكري، فقد رد بغضب على ما قاله الجلاد، مؤكدًا أن هذا الطرح "غير دقيق ويتجاهل واقع الحياة السياسية"، وقال: "أنا ضد إن يتقال مفيش أحزاب سياسية في مصر، عندنا حزب زي مستقبل وطن عنده قاعدة جماهيرية ضخمة، وأي حزب عنده تنظيم وقدرة ممكن يعمل قائمة وينزل بيها الانتخابات ويتنافس على مقاعد البرلمان".
وهنا، كان من الضروري أن نتوقف، فـ"مستقبل وطن" - رغم قوته التنظيمية الظاهرة - ليس نتاجًا طبيعيًا لحياة حزبية متراكمة، بل هو حزب "مصنوع" تمت تهيئة البيئة له ليكون الممثل الأبرز في المشهد السياسي.
ثم يبرز سؤال منطقي: إذا كان النائب مصطفى بكري، يرى أن الحياة الحزبية في مصر قوية ومؤثرة، فلماذا لم ينضم إلى أي حزب طوال مسيرته البرلمانية؟
ولماذا تحدث فقط عن نموذج حزب واحد في بلد يضم أكثر من مائة حزب؟.
ثم قال بكري إن "الحياة الحزبية تشهد تطورًا مستمرًا مع كل استحقاق انتخابي جديد"، والحقيقة أن الواقع يعكس العكس تمامًا؛ فكل دورة انتخابية جديدة تشهد تراجعًا في مساحة المنافسة وتنوع التمثيل، وصلا إلى برلمان 2025 الذي يوصف بأنه الأضعف من حيث التنوع السياسي الحقيقي، حتى أنك لن تجد وسط كافة المرشحين على القوائم سوى أسماء معدودة معروفة للناس ولها علاقة بالحياة الحزبية، أما الغالبية العظمى من الأسماء يمكن وصفها بأنهم هبطوا بـ الباراشوت على الحياة السياسية.
- بين مبالغات الجلاد وتجميلات بكري.. تضيع الحقيقة
ما بين رأي الأستاذين مصطفى بكري ومجدي الجلاد، تضيع الحقيقة، فالأول يرفع الحياة الحزبية في مصر إلى مصاف التجارب الديمقراطية المتقدمة، والثاني يدفنها وكأنها لم توجد قط.
أما الواقع، فهو أن الأحزاب موجودة، تمتلك تاريخًا وخبرات متراكمة، وكوادر مؤهلة، لكنّها محاصرة في الهامش بلا أدوات إعلامية ولا تمويل ولا فرص عادلة للمنافسة.
إننا أمام حياة حزبية لم تمت بعد، لكنها أيضًا لم تُمنح فرصة لتعيش بكرامة، هي أشبه بحديقة أُغلقت عليها الأبواب؛ الزهور بداخلها حقيقية، لكنها لا ترى النور