حسام بدراوي: ما نعيشه ليس انتخابات مجلس نواب حقيقية بل مشهد شكلي| فيديو
أكد الدكتور حسام بدراوي الكاتب والمفكر السياسي، أن المشهد السياسي في مصر يعاني من غياب الحياة الحزبية الحقيقية، موضحًا أن الساحة السياسية تفتقر إلى أحزاب فاعلة تُمثل تيارات فكرية مختلفة، وأن العملية الانتخابية أصبحت تدار بطريقة تجعل القوائم المغلقة هي الفائزة مسبقًا دون منافسة فعلية على الأرض، وقال إن مفهوم الانتخابات يقوم على اختيار الناخب لمن يراه الأكفأ والأجدر بتمثيله، إلا أن هذا المفهوم تآكل تدريجيًا حتى أصبحت الانتخابات الحالية أقرب إلى إجراءات شكلية تفتقد روح الديمقراطية.
وأضاف حسام بدراوي، خلال ندوة عقدها موقع "إيچبتك"، أن مجلس النواب فقد استقلاله تدريجيًا، وتحول من سلطة رقابية وتشريعية إلى امتداد للسلطة التنفيذية، ما أفقده دوره في مراقبة الحكومة ومساءلتها عن القرارات والسياسات العامة، مشيرًا إلى أن هذا الوضع أنتج حالة من الجمود السياسي، إذ لم تعد هناك معارضة فاعلة أو آليات حقيقية لتوازن السلطات داخل الدولة.
الدستور والفصل بين السلطات
وأشار الدكتور حسام بدراوي، إلى أن الدستور المصري، بنصوصه الواضحة، يمنع تدخل السلطة التنفيذية في أعمال السلطة التشريعية، مؤكدًا أن احترام مبدأ الفصل بين السلطات هو أساس أي نظام ديمقراطي سليم، وأن الدستور ليس مجرد وثيقة قانونية، بل هو المرجعية العليا التي تضبط العلاقة بين مؤسسات الدولة وتحمي الشعب من الاستبداد أو التسلط.
وأضاف حسام بدراوي،: "لدينا دستور يعرفه الجميع، لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في عدم تطبيقه بروحه الحقيقية، إذ أصبح هناك نوع من الهيمنة التنفيذية على باقي السلطات"، واشار إلى أن هذا الخلل في التوازن المؤسسي قد يؤدي إلى نتائج خطيرة إذا لم يتم تصحيحه في الوقت المناسب.
تحذير من تكرار سيناريو يناير
وأوضح حسام بدراوي، أن ما يحدث اليوم يشبه إلى حد بعيد الظروف التي سبقت ثورة يناير 2011، حين تراكمت الأخطاء السياسية والاقتصادية والاجتماعية حتى وصلت الأمور إلى لحظة الانفجار، مؤكدًا أنه حذّر قبل عام من أن استمرار تهميش المشاركة السياسية الحقيقية وغياب العدالة في تداول السلطة قد يؤدي إلى موجة غضب جديدة إذا لم تُفتح قنوات التعبير الحر.
وشدد حسام بداروي، على أن الإصلاح السياسي لا يقل أهمية عن الإصلاح الاقتصادي، فالدولة التي تمنع النقد أو الاحتكام للمؤسسات المنتخبة تُفقد نفسها صمام الأمان المجتمعي، وأن تمكين المواطنين من المشاركة في صنع القرار هو السبيل الوحيد لبناء دولة مستقرة قادرة على مواجهة التحديات المستقبلية.
التحول الرقمي وتحديات الثقافة
وتطرق الدكتور حسام بدراوي، إلى قضية التحول الرقمي، قائلًا إن العالم كله يشهد ثورة رقمية شاملة غيّرت شكل الإدارة والعمل والخدمات الحكومية، بينما لا زالت مصر تعتمد بشكل كبير على الورق والقلم في التعاملات الرسمية، وهو ما يعرقل جهود التطوير ويؤخر مسار التحديث الإداري.
وأوضح حسام بدراوي، أن التحول الرقمي لا يعني فقط تحديث الأنظمة، بل تغيير نمط التفكير والإدارة، لأن التكنولوجيا لا تحقق نتائج إذا بقيت العقلية الإدارية تقليدية، وأن المجتمعات الحديثة تبنى على المعرفة والتفاعل الرقمي، بينما يعاني المجتمع المصري من بطء في تقبّل هذا التحول بسبب ضعف الثقافة التكنولوجية والبيروقراطية المتجذرة في المؤسسات.
ثقافة التكرار وضعف الوعي
وفي جانب آخر من حديثه، أشار حسام بدراوي، إلى أن الثقافة المصرية تواجه تحديًا عميقًا في طريقة التفكير، موضحًا أن جزءًا كبيرًا من الشعب يمارس التكرار دون الفهم في مختلف المجالات، سواء في تداول الأخبار أو في النقاشات العامة، وأن انتشار المعلومات المغلوطة والتفاعل السطحي مع القضايا الكبرى يعكسان نقصًا في الوعي النقدي لدى المواطن، وهو ما يصعب معه تحقيق نهضة فكرية أو سياسية حقيقية.
وأضاف حسام بدراوي، أن بناء ثقافة جديدة تتسم بالفهم والتحليل لا بالنقل والتقليد هو حجر الأساس لأي مشروع إصلاحي، داعيًا إلى تطوير التعليم والإعلام لخلق جيل واعٍ يمتلك أدوات التفكير العلمي والقدرة على التمييز بين الحقائق والشائعات.
رؤية لإصلاح متكامل
واختتم الدكتور حسام بدراوي، حديثه بالتأكيد على أن الإصلاح السياسي والثقافي متلازمان، فلا يمكن بناء دولة عصرية دون مؤسسات مستقلة وشعب واعٍ. وأوضح أن مواجهة الأزمات الحالية تتطلب إرادة سياسية حقيقية لتفعيل الدستور، وإحياء الحياة الحزبية، وتوسيع المشاركة العامة في صنع القرار، وأن مصر تمتلك من التاريخ والخبرة ما يؤهلها للعب دور قيادي في المنطقة، لكن ذلك لن يتحقق إلا عندما يتحول الشكل الديمقراطي إلى ممارسة واقعية، وتتحول الثقافة الساكنة إلى وعي حي قادر على النقد والإبداع. وختم حديثه قائلًا: "الدولة القوية ليست التي تمنع الحوار، بل التي تفتح المجال له بثقة، لأن الحوَار هو الطريق الوحيد لتجنب الانفجار وبناء مستقبل مستقر ومستدام."