رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ألقى المهاجر الشاب المسلم زهران ممداني، مليون حجر في مياه نيويورك الراكدة، نجح صاحب الأربعة وثلاثين عاما في هز عروش أساطين السياسة في المدينة التي تجسد الرأسمالية في أوضح صورها . 

فاز ممداني بمنصب عمدة المدينة، المحتكر من القوى السياسية الجبارة في أمريكا، المنصب الذي يخضع لقوى العصابات ورجال الأعمال العتاة .

 قدم ممداني نموذجا للحملة الانتخابية المحترفة ،طرح برنامجه بخطاب شعبوي وجد قبولا لدى سكان المدينة ،وغالبيتهم من المهاجرين الذين أرهبهم ترامب بإجراءات هددت وجودهم في أمريكا .

 استطاع أن يصل إلى عقل وقلب الغالبية من السكان في المدينة الكوزموبوليتانية – المجسدة للعالم - قال لأنصاره : " نيويورك ستبقى مدينة مهاجرين , بناها مهاجرون , مدعومة من مهاجرين , وبدء من اليوم سيقودها مهاجر . أنا شاب رغم محاولاتي لأن أبدو أكبر سنا , أنا مسلم , أنا اشتراكي ديمقراطي , والأكثر أنني أرفض الاعتذار عن أي من هذه الصفات " . 

خاطب ممداني كل الفئات، تواصل مع الجاليات المسلمة , والجاليات العربية , وقدم خطابا خفيف الظل باللغة العربية , ما أوجد زخما مؤيدا له ولتوجهاته وهو الذي تحدى ترامب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية بكل – هليمانه – .

 لم يفز ممداني فحسب في انتخابات، بل فتح طاقة تبرز التحول العميق في وجدان الأمريكيين. فوزه ليس حدثا انتخابيا بقدر ما هو علامة على تغير المزاج في بلد طالما انقسم بين حلم المهاجر وخوف المواطن القديم من كل جديد . لم يأت من دهاليز الحزب ولا من تدرجات النخبة. 

جاء من الشارع ومن المواصلات العامة ومن المظاهرات التي تطالب بإيجار أقل وسكنٍ أرحم، في خطابه جسد شعور الناس التي ضاقت من اللغة الملساء للسياسيين، واستبدلت بها اللغة الصريحة، الخشنة أحيانا، الصادقة غالبا . 

كانت النتيجة صدمة لترامب وعندما سألته مذيعة : ألا ترى أن ممداني نسخة يسارية منك ؟ قال وفي حلقه غصة : هو شيوعي وليس اشتراكيا ، ولكن ألست أكثر وسامة منه !! وقال إن ممداني سيحول نيويورك إلى هافانا جديدة – عاصمة كوبا - . أما الجمهوريون بصفة عامة ، فقد وجدوا في هذا الفوز دليلاً على ما يسمونه "يسارية متوحشة" تجتاح المدن الكبرى.

ما حدث في نيويورك ليس مفاجأة في جوهره، بل نتيجة سنوات من الغليان الاجتماعي والاقتصادي، أمريكا التي كانت تؤمن بأن قيادتها حكر على الوجوه البيضاء بدأت تنظر في المرآة وتدرك أن وجوهها الأخرى لها نفس الشرعية في الحلم . 

فوز ممداني في أحد معانيه إعادة تعريف معنى "الأمريكي". 

إنه يقلب الصورة التي رسمها الإعلام لعقود، صورة المهاجر كضيف دائم، ليقول إن الضيف صار صاحب بيت ، وأن زمن الاحتكار السياسي انتهى، وأن الديمقراطية ليست حقا محفوظا للبيض والأثرياء فقط. 

وأن السلطة لم تعد حكرا على النخب التي درست في هارفارد وعاشت في الضواحي الفاخرة، بل صارت متاحة لأن يتولاها شاب من أحياء المهاجرين يحمل أفكارا تخرج من الحافلات لا من الجامعات .  

إن فوز ممداني، درس لدول العالم الأخرى، ونصر للديمقراطية الأمريكية التي ما زالت قادرة على إنتاج المفاجآت، وما زال فيها متسع لشخص جاء من قاع الهجرة ليصبح رمزا في قمة المدينة. 

 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء