تفاصيل مفزعة.. قصة أم نجت بأطفالها من الإبادة في غزة|خاص
أنا روان محمد الحساينة، 29 عامًا، إحدى الناجيات من حرب الإبادة التي يشنها الكيان المحتل على مدينة غزة الصامدة، هكذا بدأت تلك الأم التي تتشابه قصتها مع الكثيرات من أمثالها، حين قررت أن تروي لـ”إيجيبتك“ معاناتها المفزعة للهروب من القصف، في سياق الحوار التالي.
كيف بدأت معاناتكم مع القصف؟
في منتصف نوفمبر 2023 كنا في فيلا خالي بالبدروم، لأن الدبابات كانت في شارعنا والقذائف في كل مكان، فنزلنا وأخلينا جميع البيوت العالية، وكنا في البدروم أكثر من 70 شخصًا من النساء والفتيات والأطفال. لكن في 22/11/2023 تم الإعلان عن تهدئة لمدة 4 أيام على أن تبدأ الساعة السابعة صباح يوم 23/11.
ما حالكم في فترة الهدنة الأولى؟
من فرحتنا رجعنا إلى بيوتنا، نظفناها ورتبناها ومسحناها، وحضنّاها الحضن الأخير. كانت الساعة السابعة والنصف مساءً تقريبًا، ونحن في أمان الله في بيتي فوق، وهو ملاصق تمامًا لبيت خالي (عم زوجي).
نحن جميعًا عائلة واحدة نأكل ونشرب سويًا، وكل يوم نتجمع عند جدتي (تاتا) في جلستين يوميًا: بعد الظهر وبعد صلاة العشاء. أصبحت الساعة السابعة والنصف أو الثامنة تقريبًا، فقام الاحتلال بضرب بيت جد زوجي (أخوال زوجي)، وكان فيه نازحون. ضرب الاحتلال البيت من الأعلى، فهرب الناس إلى البيت المجاور، ثم ضربوهم أيضًا.
كيف كان حال الناس بعد القصف؟
زاد عدد الإصابات كثيرًا، والشهداء أكثر. هربت كل الإصابات إلى بيتنا، ففتحنا الباب لهم. دخل ما يقارب 70 شخصًا: أشلاء، دماء، أرجل مبتورة، أيدٍ مبتورة، دماء في كل مكان، أجساد ممزقة مليئة بالشظايا. البعض وصل واستشهد في بيتنا (بيت أهل زوجي في الطابق الأرضي).
كنت أنا وزوجي وأبنائي في الطابق الثاني نسمع صوت القصف، تركنا كل شيء، وكان ينادينا خالي إسماعيل (أب زوجي): “انزلوا بسرعة“. نزلنا، فقال لنا: “امشوا بسرعة على الفيلا، على البدروم“. كان خائفًا علينا، خائفًا على ابنه الوحيد.
هل استطعتِ أخذ أي من ممتلكاتكم؟
والله تركنا كل شيء، حتى أنني كنت أعدّ رزًا بلبن على الغاز، أردت أن أفرّح الأطفال بالهدنة، خرجت أنا وأولادي بحقيبة صغيرة فيها أوراقنا الثبوتية والقليل من ذهبي وبعض النقود القليلة.
أصبحنا نركض بسرعة، نزلت من بيتي فوجدت الشهيدة الغالية زوجة خالي (أم محمد) وهي خالة زوجي، تبكي وتسأل عن إخوتها، ويهدئها ابنها الشهيد عبد الرحمن قائلًا: “خلص يا ماما تعيّطيش، خوالي بخير، خالو سليمان منيح، بس خالو أحمد مقطوعة إيده“. كانت الصرخات تعلو أكثر فأكثر.
كيف أمكن مواجهة الموقف عندما رأيتها في هذه الحالة؟
حضنتها بقوة، بكل ما لدي من قوة، ولم أعلم أنه الحضن الأخير، ولكن الحمد لله على قضاء الله وقدره.
نادوا عليّ أن أمشي، فمشيت أنا وأولادي سمعة وحمود وتالا، كنت أركض بسرعة، خائفة ومرعوبة، والتقيت بزوج خالتي الشهيد (أبو خالد)، أخذ ابني سمعة بين يديه، وابنه الشهيد إبراهيم حمل ابني محمد، وأوصلونا إلى الفيلا.
كيف كان الوضع داخل مكان الاختباء؟
دخلت البدروم، وكان هناك أكثر من 70 شخصًا بين نساء وبنات وأطفال. صرخات النساء والأطفال تملأ المكان: “شو في؟ شو صار؟ وين هاد القصف؟“ فقلت لهم: “دار سيدو فراج (خوال زوجي)“.
وبدأنا نحاول تهدئة بعضنا البعض: “خلص بدنا نهدى، ما بدنا توتر، يا جماعة اهدوا، يلا نقرأ قرآن، يلا ندعي“. صرنا ندعو بصوت عالٍ ونردد “آمين“.
دعت الشهيدة خالتي (سوزان أم إبراهيم) وبنتها الشهيدة لمى، وماريا أخت زوجي، وكلنا قلنا “آمين“. دخل خالي يهدئ أم زوجي ويطمئنها على إخوتها قائلًا: “أمانة خلص روقي، إخواتك بخير، بلاش يصير فيكِ شي، انتي مريضة سكر، هيني جبت أخوكي فتحي عندي والله بخير، وسليمان منيح بس رجله مقطوعة، وأحمد الحمد لله الإسعاف حيجي ياخده“.
هل كان هناك أي شكل من أشكال التواصل؟
للأسف، لم يكن هناك أي شبكة أو اتصالات بتاتًا، ولا إسعاف يستطيع الوصول إلينا، يعني أن المصاب كان يموت ببطء.
وكيف استشهد خالك؟
استشهد خالي أحمد بين يدي زوجته وبناته، ربطت ابنته طرحتها على يده حتى لا يتصفى دمه، لكنه التقط أنفاسه الأخيرة بين أيديهن واستشهد، رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى. كان خالي يحب زوجته كثيرًا ويخاف عليها.
كيف كانت لحظاته الأخيرة؟
جاء إلى البدروم فقط ليطمئنها ويهديها، رحمه الله، أحلى شهيد بإذن الله يرزق حيًّا عند ربه. قالت له جدتي: “اقعد يا ابني عندي“. فقال لها: “لا يما والله في بلاطة كاتمة على صدري“. وضع يده على صدره وقال: “مخنوق، في شي كاتم على نفسي“. كان عارفًا أن النهاية اقتربت، وبقيت له دقائق معدودة ليستشهد.
جاء خالي الثاني، شاحب الوجه، أصفر اللون، وقال: “اهدوا، روقوا، يلا ادعوا، تشاهدوا، تشاهدوا“.
فقال: “أشهد أن لا إله إلا الله“. يمشي ويلف ويقعد، يمشي ويلف، كان يعلم أن لحظاته الأخيرة اقتربت.
صعد خالاي الاثنان إلى الطابق الأعلى من الفيلا، حيث كان هناك نحو 30 رجلًا، منهم زوجي، والحمد لله نجا زوجي بأعجوبة ومعجزة من الله.
دماء الحرب وبصمة النجاة
هكذا سردت روان شهادتها كاملة، دون أن تفقد صوتها المبحوح بالحزن أو تفاصيل اللحظات التي حفرت في ذاكرتها جرحًا لا يندمل. كلماتها تصف مشاهد الرعب والبطولة والوداع الأخير كما عاشتها، دون تنميق أو تزيين. ورغم حجم المأساة، تبقى روان اليوم شاهدة على جريمة لا تمحوها الأيام، وأمًّا تحمل ذاكرة الألم لترويها للعالم، علّ أحدًا يسمع ما عجزت الصواريخ عن إسكات صوته.