رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

قصور الثقافة نافذة مصر على الفن والمعرفة.. كيف تعود لدورها التاريخي؟

قصور الثقافة
قصور الثقافة

تُعد الهيئة العامة لقصور الثقافة شريانًا مهما للحياة الثقافية المصرية، فهي تربط بين الدولة والمواطن عبر القصص والفنون والمكتبات والورش، وتمثل جسراً لتحقيق الثقافة الشاملة لكل المصريين، وإحدى المؤسسات الثقافية التابعة لـ "وزارة الثقافة المصرية"، وقد أنشئت بقرار رئاسي في 23 مارس 1989. 

 

رسالة قصور الثقافة

تتمثل رسالتها في المشاركة في رفع المستوى الثقافي وتوجيه الوعي القومي للجماهير في مجالات السينما والمسرح والموسيقى والفنون الشعبية والفنون التشكيلية وخدمات المكتبات بكافة المحافظات.

 

أنشطة الهيئة العامة لقصور الثقافة

تشمل أنشطة الهيئة مجالات متعددة، منها: الثقافة العامة، المسرح، الموسيقى، الفنون الشعبية والحرف البيئية، الفنون السينمائية، الفنون التشكيلية، المكتبات، الطفل، الشباب، العمال، المرأة، التدريب وتبادل الخبرات. 

لدى الهيئة بنيتها في محافظات مصر من خلال «قصور الثقافة» و«مكتبات الثقافة» وغيرها من المقرّات التي تُنفذ البرامج الثقافية والفنية. 

من أبرز الأنشطة، عقد ورش فنية وأدبية ومسرحية، إطلاق مسابقة «معلومة وأثر» للأطفال ضمن برنامج «مصر تقرأ»، وإقامة مهرجانات وقوافل ثقافية في القرى والمناطق الحدودية، لإتاحة الثقافة لجميع فئات المجتمع.  أيضاً تُنظّم الهيئة أنشطة مثل نوادي المسرح الإقليمية، إذ تُعرض مسرحيات في المحافظات المختلفة تحت إشراف الهيئة.

تُواجه الهيئة تحديات مرتبطة بتغطية كافة المحافظات وإتاحة فرص متكافئة، لكنها تسعى من خلال قوافل وأنشطة متنوعة إلى تحقيق مفهوم العدالة الثقافية وانتشار الثقافة خارج الحيز الحضري إلى الريف والأطراف.

قصور الثقافة ما زال لها دور فاعل في الحياة الثقافية المصري

قال الشاعر ياسر خليل إن قصور الثقافة ما زال لها دور فاعل في الحياة الثقافية المصرية، موضحًا أنه إذا تحدثنا عنها في المجمل فالدور فاعل جدًا، رغم وجود بعض القصور في عدد من المواقع الثقافية. 

 

أندية الأدب قادرة على إنتاج كوادر ثقافية جديدة

وأوضح في تصريحات خاصة لـ «إيجبتكِ»: أن أعداد الرواد بدأت تقل، ولا يمكن إنكار ذلك، مشيرًا إلى أن هناك مشكلات تواجه العمل حاليًا، من بينها أزمة الميزانيات ونظام الدفع الإلكتروني الذي أثر سلبًا على وصول المكافآت واستضافة الضيوف، خاصة في ظل ثبات الميزانيات منذ نحو خمسة عشر إلى عشرين عامًا، رغم تغير الأسعار وانخفاض القيمة الشرائية.

وأضاف خليل: أنه ما زال يؤمن بقدرة أندية الأدب على إنتاج كوادر ثقافية جديدة، مؤكدًا أنه مدين لهذه الأندية التي كانت وراء بروزه على الساحة الأدبية، إذ بدأ عضوًا منتسبًا ثم عضوًا عاملًا، قبل أن يصبح عضو مجلس إدارة وأمينًا عامًا للأندية الأدبية على مستوى مصر.

 

جيل اليوم يعتمد بشكل أكبر على وسائل الميديا

وتابع الشاعر أن هذه الأندية ساهمت في تكوين جيل من الأدباء والمبدعين، لكن الأمر يتطلب مجهودًا من الشباب أنفسهم، موضحًا أن جيل اليوم من المبدعين يعتمد بشكل أكبر على وسائل الميديا بدلًا من الحضور الفعلي والنقاش المباشر حول نصوصهم وقصائدهم.

واختتم خليل تصريحاته بالتأكيد على أن قصور الثقافة ستظل منارة للمبدعين رغم ما تمر به من تحديات في الوقت الراهن.

أكد الناقد والروائي محمود حمدون أن وزارة الثقافة المصرية، من خلال الهيئات العامة التابعة لها، ومن بينها الهيئة العامة لقصور الثقافة، لها دور مهم في المجتمع المصري، موضحًا أن هذا الدور يعود إلى ما بعد ثورة يوليو، حين بدأ العمل الثقافي بشكل رسمي ومنهجي وعلمي، وكان لهذا الدور أثر واضح في الفترات الماضية من خلال الخدمات الثقافية التي قُدمت، واكتشاف المواهب وتنميتها في القرى والنجوع.

 

غياب الكفاءات الإدارية الواعية

وأوضح في تصريحات خاصة لـ «إيجبتكِ» أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن قصور الثقافة لم تعد تمارس دورها التنويري القوي الذي كانت تقوم به في الفترات السابقة، موضحًا أن السبب في ذلك يعود إلى غياب الكفاءات الإدارية الواعية بطبيعة النشاط الثقافي والمهمة التي تمارسها. 

وأضاف أن الأزمة عامة وليست مقتصرة على الهيئة العامة لقصور الثقافة وحدها، بل تشمل قطاعات أخرى في الدولة، إذ إن غياب الكفاءات المؤهلة أصبح ظاهرة ممتدة في مؤسسات عديدة، مشير إلى إن المشكلة تظهر بوضوح عندما تُدار المؤسسات الثقافية بعقلية بيروقراطية حكومية عادية لا تدرك خصوصية النشاط الثقافي، مؤكدًا أنه إذا كان المسؤول عن إدارة المكان مثقفًا حقيقيًا، على وعي بطبيعة المشكلات الثقافية ومهتمًا بالشأن العام، فالأداء وقتها سيختلف جذريًا، وسيتحول المكان إلى مركز إشعاع فكري وحضاري.

 

غياب البرامج الثقافية

وأوضح أن قصور الدور الرئيسي للهيئة العامة لقصور الثقافة على مستوى المحافظات والمراكز والوحدات الإدارية المختلفة يعود إلى غياب الكفاءات اللازمة لإدارة هذه الكيانات، إلى جانب ضعف التمويل، وغياب البرامج الثقافية الواضحة على المستوى القومي، وغياب الأهداف المحددة لما نريده في المرحلة الحالية أو القادمة.

وأضاف أن التركيز الحالي على التنمية الاقتصادية جعل بعض مؤسسات الدولة تنظر إلى الثقافة باعتبارها أمرًا غير ذي أولوية، بينما يرى هو أن الاهتمام بالمجالات الفنية والثقافية يجب أن يسير بالتوازي مع التنمية الاقتصادية، لأن الثقافة تمثل خط الدفاع الأول ضد أي عملية تفكيك للدولة أو اختراق لهويتها.

وأكد أن المواطن الواعي بوجوده وتاريخه ودولته يصعب جدًا التأثير عليه من أي جهة خارجية أو ثقافة وافدة، موضحًا أن غياب التوجه الرسمي للدولة في تحديد رؤيتها الثقافية تجاه المواطن يجعل هذا الأخير يلجأ إلى ثقافات بديلة، سواء كانت وافدة من مناطق بدوية أو من الجنوب أو من الغرب، ويتأثر بها نتيجة غياب البديل الثقافي الرسمي القادر على استيعابه وتشكيل وعيه.

 

تحاول أن تبني هوية ثقافية مصرية

وأشار إلى أن مصر في فترة الستينيات كانت تحاول أن تبني هوية ثقافية مصرية رائدة، تستند إلى الموروث الثقافي والقوى الناعمة، وكان ذلك يقود إلى سؤال جوهري ماذا تريد الدولة من القوى الناعمة؟ هل تسعى إلى تنميتها واستثمارها؟ مؤكدًا أن القوى الناعمة، إلى جانب دورها في خلق بيئة ثقافية فاعلة وقادرة على إدارة وعي المواطن، فهي أيضًا قوة اقتصادية قادرة على الإسهام في الدخل القومي.

وأوضح أن القوى الناعمة المصرية كانت في الماضي تمثل مصدرًا مهمًا للدخل القومي، من خلال السينما والدراما والصحافة والكتاب المصريين الذين كانت مؤلفاتهم تُباع في العالم العربي وتدر عائدًا اقتصاديًا حقيقيًا، وكان ذلك نموذجًا مثاليًا للربط بين الهوية الثقافية والمردود الاقتصادي.

 

التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تنفصل عن التنمية الثقافية

وتابع قائلاً إن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تنفصل عن التنمية الثقافية، وأن مردود الثقافة على المجتمع يتجاوز الجانب المعنوي إلى البعد الاقتصادي أيضًا، مؤكدًا أن المقصود ليس بيع الخدمات الثقافية للمواطن أو جعل الثقافة سلعة لمن يملك المال، بل المقصود هو ترويج المنتج الثقافي المصري للخارج وتعظيم الاستفادة منه على المستويين الثقافي والاقتصادي.

واختتم الناقد تصريحه مؤكدًا أن أزمة قصور الثقافة تكمن في غياب الرؤية العامة الشاملة، وضعف الكفاءات الإدارية المؤهلة لإدارة المرافق الثقافية، وشدد على أن بعض قصور الثقافة في المحافظات تمثل نماذج مضيئة لأن القائمين عليها على درجة عالية من الوعي والثقافة، ما يجعل هذه القصور في حالة من النشاط والتوهج طوال الوقت، موضحًا أن ذلك يثبت أن الإدارة الواعية هي العنصر الأهم، وأنه قبل كل شيء يجب على الدولة أن تؤهل كوادرها الإدارية لتكون قادرة على تحقيق أجندة ثقافية رسمية واضحة للدولة.

 

المواطن المصري في جوهره متعطش للثقافة

وأكد في ختام حديثه أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تبتعد الدولة عن النشاط الثقافي، أو تترك المواطن لتلقي خدماته الثقافية من جهات أخرى، لأن ذلك يمثل خطرًا على الانتماء والولاء والهوية الوطنية، مشيرًا إلى أن المواطن المصري في جوهره متعطش للثقافة، وإذا لم يجدها في مؤسسات دولته سيبحث عنها في مكان آخر، وهو ما يفرض ضرورة أن تستعيد الدولة دورها التنويري والثقافي بقوة.

أكد الشاعر ماهر مهران أن قصور الثقافة في مصر، التي كانت تمثل في الماضي منارات للتنوير ومراكز لنشر الوعي والإبداع، تعاني اليوم حالة من التراجع الشديد نتيجة غياب الكفاءات وتغلغل المحسوبية والاعتبارات غير الثقافية في اختيار قياداتها، موضحًا أن الهيئة العامة لقصور الثقافة عندما أنشئت كان الهدف منها أن تكون هيئة للثقافة الجماهيرية، تهتم بنشر الوعي في كل ربوع الجمهورية، في المدن والقرى على حد سواء، ولكن ما يحدث الآن شيء مختلف تمامًا.

 

الهيئة تُعد أكبر كيان تنظيمي ثقافي في مصر

وأوضح في تصريحات خاصة لـ «إيجبتكِ»: الهيئة تُعد أكبر كيان تنظيمي ثقافي في مصر، فهي تمتلك فروعًا وقصورًا في كل المحافظات، ومن خلالها يمكن تنفيذ أي مشروع وطني أو تنويري واسع النطاق، لكن المشكلة تكمن فيمن يديرون هذه الأماكن، إذ كانوا في الماضي يختارون مثقفًا واعيًا قادرًا على الإبداع والإدارة، أما الآن فيتم اختيار موظفين بلا رؤية ولا حس ثقافي، وغالبًا يتم تفضيل من لديهم ولاءات كموظفين أو محسوبية.

وأضاف أن الاختيارات الحالية للقيادات أصبحت تُبنى على الواسطة والعلاقات الشخصية، وليس على الكفاءة أو الوعي الثقافي، فمثلًا في محافظات الصعيد، وخاصة الأقصر وأسيوط، نجد أن من يدير قصور الثقافة موظفون جاؤوا بالوساطة، وبعضهم أصحاب ميول دينية متشددة أو فكرٍ منغلق يعادي الثقافة، وبالتالي تحولت بعض القصور إلى منابر دينية لا علاقة لها بالإبداع والفن.

وتابع قائلًا: "أصبح لدينا نوعان من القائمين على الثقافة إما موظفون يفتقرون إلى الإبداع والجرأة، أو أشخاص ذوو توجهات دينية يعتبرون الثقافة حلالًا أو حرامًا، وهؤلاء لا يمكن أن يصنعوا وعيًا أو يقدموا مشروعًا ثقافيًا حقيقيًا.

 

نادي الأدب تحول إلى دوائر مغلقة من المصالح الشخصية

وأشار الشاعر إلى أن نادي الأدب الذي كان في الماضي ساحة للنقاش الحر والإبداع، تحول إلى دوائر مغلقة من المصالح الشخصية، حيث يسعى البعض للسيطرة عليه من أجل مكاسب مادية أو معنوية، مثل طباعة الكتب أو المشاركة في المؤتمرات، وأصبح مقياس الاختيار قائمًا على تبادل المصالح لا على الموهبة أو الفكر.

وأضاف أن "المؤتمر العام لأدباء مصر يعاني المشكلة نفسها، إذ يتم اختيار المشاركين بناءً على العلاقات والصفقات، وليس على القيمة الأدبية، مما أدى إلى غياب الوجوه الإبداعية الحقيقية، وتحول المؤتمر إلى ساحة للمجاملات، حتى أن الشخصيات المكرمة لا تُختار وفق إنتاجها أو تأثيرها، بل وفق الحسابات الشخصية.

 

الأنشطة الثقافية فقدت روحها التنويرية

وأوضح مهران أن الأنشطة الثقافية فقدت روحها التنويرية، وأصبحت تدار من قبل موظفين لا يملكون حسًا فنيًا أو ثقافيًا، فبدلًا من إقامة الندوات والأمسيات الشعرية والفنية، تُقام مسابقات دينية لحفظ القرآن الكريم داخل قصور الثقافة، وهذا ليس دورها، فهناك جهات أخرى مثل الأزهر والأوقاف هي المسؤولة عن ذلك.

وأكد أن هذا الخلط بين الدين والثقافة يمثل خطرًا على هوية المؤسسة، فالهيئة العامة لقصور الثقافة وُجدت لتدعم الإبداع والفنون والآداب، لا لتتحول إلى منصة دينية، مشيرًا إلى أنه خاض معارك طويلة ضد هذا الخلط، وقدم شكاوى رسمية عندما لاحظ أن بعض الفروع الثقافية في أسيوط تحولت إلى منتديات دينية متشددة تحت غطاء الثقافة.

وأضاف قائلًا: النتيجة أن الموظفين المبدعين تم تهميشهم، بينما تمت ترقية من يرضخون للأوامر أو ينفذون التعليمات دون وعي أو مبادرة، وهكذا فقدت قصور الثقافة دورها الحقيقي كمؤسسات للوعي والتنوير.

 

كما انتقد مهران ضعف الحوافز المادية للمبدعين، موضحًا أن الشاعر الذي يسافر عشرات الكيلومترات لإحياء أمسية شعرية يتقاضى 85 جنيهًا فقط، تُصرف بعد عدة أشهر، وربما بعد عام، مما يجعل المشاركة في الأنشطة الثقافية عبئًا ماديًا لا يستطيع كثير من الأدباء تحمله، مؤكدًا أن هذه الإجراءات البيروقراطية قتلت الحماس داخل الوسط الثقافي.

 

الموظفون يديرون الثقافة بعقلية الأوامر

واختتم الشاعر ماهر مهران حديثه قائلًا: ما يحدث في قصور الثقافة الآن نتيجة طبيعية لتغير القيم وانهيار المعايير، فالموهوبون مهمشون، والمتشددون يتصدرون المشهد، والموظفون يديرون الثقافة بعقلية الأوامر، لذلك تراجعت الحركة الثقافية في المحافظات بشكل ملحوظ، نحتاج إلى ثورة وعي حقيقية داخل الهيئة العامة لقصور الثقافة حتى تستعيد دورها التاريخي كمؤسسة لبناء الإنسان المصري.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء