رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

سؤال يشغل العالم منذ اندلاع الصراع، لكنه في الحقيقة أقدم بكثير من القتال الدائر اليوم، فخلف الدبابات والصواريخ، تختبئ قرون من التاريخ المليء بالتحولات والهيمنة والانقسام، وصراع على الهوية والسيادة بدأ منذ أن كانت كييف مهد الحضارة السلافية، وتحول مع الزمن إلى مواجهة مفتوحة بين موسكو والغرب على مستقبل أوروبا بأسرها.

 

جذور الصراع بين روسيا وأوكرانيا يعود إلى عمق التاريخ السلافي الشرقي، حيث تشكلت في القرن 9 الميلادي دولة عرفت باسم روس الكييفية، واتخذت من مدينة كييف مركزا دينيا وسياسيا وثقافيا للشعوب السلافية

 

 كانت تلك الدولة هي النواة التي خرجت منها الشعوب الثلاثة الكبرى في أوروبا الشرقية منهم الروس والأوكرانيون والبيلاروس، ومع سقوط كييف في عام 1240 على يد المغول، تشتتت مراكز القوة السلافية، وصعدت موسكو تدريجيا لتصبح القوة الجديدة التي ادعت أنها الوريث الشرعي لتلك الدولة القديمة، بينما بدأت كييف تفقد مكانتها التاريخية لصالح الصعود الروسي.

 

في القرون التالية، خضعت أوكرانيا لسيطرة القوى المجاورة، فتارة كانت تحت النفوذ البولندي، وتارة أخرى خضعت للسيطرة الروسية القيصرية، ومع توسع الإمبراطورية الروسية في القرن 18م في عهد الإمبراطورة كاترين الثانية، تم ضم معظم الأراضي الأوكرانية نهائيا إلى روسيا بين عامي 1772 و1795 بعد سلسلة من تقسيمات بولندا، ومنذ ذلك الوقت، بدأت عملية روسنة ممنهجة هدفت إلى طمس الهوية القومية الأوكرانية، وفرض اللغة والثقافة الروسية باعتبارها هوية الإمبراطورية الجامعة.

 

لكن رغم هذه السيطرة، ظلت الروح القومية الأوكرانية حية، ففي القرن التاسع عشر، ومع تصاعد حركات القوميات في أوروبا، بدأ المثقفون الأوكرانيون في المطالبة بالاعتراف بلغتهم وثقافتهم وحقهم في الاستقلال، غير أن السلطات القيصرية واجهت هذه المطالب بالقمع والمنع، فأصدرت مراسيم تحظر طباعة الكتب الأوكرانية وتمنع تدريس اللغة الأوكرانية في المدارس.

 

ومع اندلاع الثورة الروسية عام 1917 وسقوط النظام القيصري، استغلت أوكرانيا حالة الفوضى لتعلن استقلالها في عام 1918، وشكلت الجمهورية الأوكرانية الشعبية، لكن هذا الاستقلال لم يدم طويلا، إذ سرعان ما تدخل الجيش الأحمر البلشفي وأخضع أوكرانيا بالقوة عام 1920، لتصبح جزءا من الاتحاد السوفييتي عند تأسيسه رسميًا في عام 1922.

 

شهدت أوكرانيا  خلال حكم جوزيف ستالين واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية مأساوية في تاريخ القرن العشرين، وهي المجاعة الكبرى المعروفة باسم الهولودومور بين عامي 1932 و1933، والتي راح ضحيتها ما بين 4 إلى 6 ملايين شخص بسبب سياسات التجميع الزراعي القسري ومصادرة المحاصيل، وقد اعتبر الأوكرانيون تلك المجاعة جريمة إبادة متعمدة ضدهم، بينما ظلت موسكو تنكر الطابع المتعمد لها.

 

خلال الحرب العالمية الثانية، احتلت القوات النازية الألمانية أوكرانيا عام 1941، وارتكب الاحتلال فظائع واسعة قبل أن يستعيدها الجيش الأحمر عام 1944، وبعد الحرب، بقيت أوكرانيا جمهورية سوفييتية، لكنها احتفظت بموقع اقتصادي واستراتيجي بالغ الأهمية، وفي عام 1954

 

 قام الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف بخطوة رمزية حين نقل تبعية شبه جزيرة القرم من روسيا إلى أوكرانيا، في إطار الاتحاد السوفييتي الموحد، وهو القرار الذي لم يكن ذا أثر سياسي كبير في ذلك الوقت لكنه أصبح لاحقا أحد أسباب الصراع الحديث.

 

عقب انهيار الاتحاد السوفييتي في ديسمبر 1991، أعلنت أوكرانيا استقلالها رسميا، وأصبحت واحدة من أهم الدول التي ورثت ترسانة نووية ضخمة كانت على أراضيها، وفي عام 1994، وقعت أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة وبريطانيا مذكرة بودابست، التي تخلت بموجبها كييف عن أسلحتها النووية مقابل ضمانات باحترام سيادتها ووحدة أراضيها، لكن تلك الضمانات لم تصمد طويلاً.

 

منذ الاستقلال، شهدت أوكرانيا صراعًا داخليا بين تيارين سياسيين متناقضين: تيار مؤيد لروسيا يرى أن الارتباط التاريخي والاقتصادي مع موسكو لا يمكن فصله، وتيار مؤيد للغرب يسعى إلى الاندماج في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، هذا الانقسام الداخلي استغلته موسكو مرارا للتأثير على سياسات كييف، وفي عام 2004

 

 شهدت البلاد الثورة البرتقالية التي اندلعت احتجاجا على تزوير الانتخابات لصالح المرشح الموالي لروسيا، وتمكنت المعارضة من إبطال النتائج وتنصيب رئيس موال للمحور الغربي.

 

ويظل جهور الصراع هو أن أوكرانيا تكتسب أهمية اقتصادية وسياسية هائلة بالنسبة لروسيا منذ قرون، فهي تشكل البوابة الغربية لروسيا نحو أوروبا، وتمتلك موقعًا جغرافيا استراتيجيا يربط بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأسود، ما يجعلها مركزا حيويًا للتجارة والطاقة والنقل

 

 كما تعد أراضيها من أخصب الأراضي الزراعية في العالم، وتعرف باسم سلة خبز أوروبا، إذ تعتمد روسيا ودول الجوار تاريخيا على إنتاجها من القمح والذرة والشعير، وإلى جانب ثروتها الزراعية، تحتوي أوكرانيا على موارد طبيعية مهمة كالحديد والفحم والمنغنيز

 

وتضم بنية صناعية متقدمة خاصة في مجالات الطيران والصلب والطاقة النووية، أما سياسيا، فتمثل أوكرانيا عمقا استراتيجيا لروسيا في مواجهة تمدد حلف الناتو نحو حدودها الغربية، ولذلك تعتبرها موسكو جزءا من أمنها القومي وخط الدفاع الأول عن مجالها الحيوي

 

ولهذا السبب، فإن استقلال كييف الكامل عن النفوذ الروسي وانحيازها للغرب لم يكن بالنسبة لبوتين مجرد خسارة حليف، بل تهديدا مباشرا لتوازن القوى في أوروبا الشرقية وجذرا أساسيا للصراع الذي انفجر لاحقا في شكل حرب مفتوحة.

 

تجدد الصراع في عام 2013 عندما قرر الرئيس فيكتور يانوكوفيتش، الموالي لروسيا، التراجع عن توقيع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ما فجر احتجاجات شعبية واسعة عرفت بـثورة الميدان الأوروبي، وانتهت بسقوطه في فبراير 2014 وهروبه إلى روسيا

 

 ردت موسكو على ذلك بعملية عسكرية سريعة انتهت بضم شبه جزيرة القرم في مارس 2014، بعد استفتاء اعتبرته كييف والمجتمع الدولي غير قانوني، كما دعمت روسيا الانفصاليين في إقليمي دونيتسك ولوغانسك شرقي أوكرانيا، ما أدى إلى نشوب حرب أهلية محدودة استمرت لسنوات وأودت بحياة أكثر من 14 ألف شخص.

 

وفي عام 2022، تصاعدت الأزمة إلى أقصى درجاتها عندما أعلن الرئيس فلاديمير بوتين في 24 فبراير بدء ما سماه العملية العسكرية الخاصة ضد أوكرانيا

 

 الهدف المعلن كان نزع سلاح أوكرانيا ومنع تمدد الناتو، لكن الهدف الحقيقي كان إعادة أوكرانيا إلى دائرة النفوذ الروسي ومنعها من الانضمام إلى المعسكر الغربي، خلال الأشهر الأولى حاولت القوات الروسية السيطرة على العاصمة كييف لكنها فشلت بعد مقاومة شرسة ودعم غربي غير مسبوق لأوكرانيا، لتتحول الحرب إلى صراع طويل الأمد.

 

مع مرور الوقت، تمكنت روسيا من فرض سيطرتها على أجزاء واسعة من الجنوب والشرق الأوكراني، خصوصا في مناطق دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزاباروجيا، إضافة إلى احتفاظها الكامل بشبه جزيرة القرم منذ عام 2014، وفي سبتمبر 2022

 

أعلن بوتين رسميا ضم هذه الأقاليم الأربعة إلى الاتحاد الروسي بعد تنظيم استفتاءات، ما أثار موجة إدانات دولية وفرض عقوبات قاسية على موسكو، كما وسعت روسيا وجودها العسكري في البحر الأسود وبحر آزوف، وأحكمت سيطرتها على الموانئ والجزر الاستراتيجية التي تمنحها تفوقا بحريا واقتصاديا في المنطقة

 

وبهذا أصبحت روسيا تسيطر فعليا على معظم المنافذ البحرية الأوكرانية، مما تسبب في خسائر اقتصادية هائلة لأوكرانيا، وأثر بشكل كبير على صادرات الحبوب التي كانت تعد من أهم صادراتها إلى العالم.

 

ورغم العقوبات الغربية غير المسبوقة التي طالت الاقتصاد الروسي، فإن موسكو تمكنت من الصمود بفضل ارتفاع أسعار الطاقة وتوجيه صادراتها نحو آسيا، بينما ظلت أوكرانيا تعتمد بشكل شبه كامل على الدعم المالي والعسكري من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي

 

 وهو ما جعل الحرب تتحول إلى ساحة صراع دولي بين روسيا والغرب، واليوم، وبعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب الشاملة، أصبح واضحا أن الصراع الروسي الأوكراني لم يعد مجرد نزاع حدودي

 

 بل صراع هوية وجغرافيا وسيادة، فروسيا تعتبر أوكرانيا امتدادا طبيعيا لتاريخها، وعمقها الاستراتيجي في مواجهة الغرب، بينما ترى كييف نفسها دولة مستقلة ذات سيادة كاملة تريد الانفصال عن الماضي الروسي والانضمام إلى العالم الأوروبي الديمقراطي.

 

وبالتالي الإجابة على السؤال الذي طرحته في بداية المقال يقع بين هاتين الرؤيتين المتناقضتين، في حين  تتواصل الحرب التي أعادت رسم خريطة أوروبا السياسية

 

 وأدخلت العالم في مرحلة جديدة من الصراع بين الشرق والغرب، حيث تمثل أوكرانيا خط التماس الأكثر سخونة في النظام الدولي المعاصر، فبوتين يصر على استعادة ما يعتبره أرض الروس التاريخية، وأوكرانيا تقاتل لتثبيت حقها في البقاء كدولة حرة مستقلة، والعالم يراقب مأساة القرن التي لم تنته فصولها بعد.

 

وللحديث بقية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء