ذاع صيت التطوع في الخطاب العالمي المعاصر بأحاديث السياسيين، ورجال الاقتصاد، وصيحات الإعلام، واهتمامات البحوث، لكن لماذا؟ الإجابة عن هذا السؤال ليست صعبة، لكنها تحمل قيمًا إنسانية راقية، أكثر مما تحمله من مفاهيم وشعارات مجردة.
لقد باتت الحاجة إلى التطوع مهمة بسبب التحولات الاقتصادية المعاصرة على مستوى العالم، فالناس بحاجة إلى التكاتف التطوعي من أجل مساعدة بعضهم البعض، كما أن الحاجة لا تنطلق فقط من مساعدة الآخرين، لكن التطوع بات أساسيًا في بناء المجتمعات ومساندة صناع السياسات على أداء مهمتهم، فالحاجة المعاصرة للتطوع تتقاطع فيها دوائر الفرد والجماعة والمجتمع، فالجميع في الراهن بحاجة إلى التطوع.
ويرتبط التطوع بالمسؤولية الاجتماعية للأفراد والشركات والمؤسسات، فالمسؤولية ببساطة تعني التزام الأفراد والمؤسسات بتحسين حياة الناس في المجتمع، ومما لا شك فيه أن هذه المسؤولية تنطلق من اعتبارات وقيم أبرزها الواجب، فكثير من الأحيان ينظر إلى التطوع على أنه فريضة على المؤسسات الاجتماعية، في سبيل تحسين حياة البشر بل وغير البشر.
وتنطلق هذه المسؤولية الاجتماعية الخاصة بالتطوع من أبعاد أجلها البعد الأخلاقي، فالمسؤولية الاجتماعية للتطوع ترتبط بالأخلاقيات وتلتزم بالأطر القيمية السائدة في المجتمع والعادات والتقاليد، وثمة بعد إنساني مرتبط بالمسؤولية في علاقاتها بالتطوع، حيث ينطلق هذا البعد من الشعور بمعاناة الناس والمشاركة الوجدانية لحياتهم، يضاف إلى ذلك بعد تنموي للمسؤولية الاجتماعية في علاقاتها بالتطوع، فالهدف الأساسي هو المساهمة في دفع المجتمع إلى الأمام.
ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى اتحاد الخدمة العامة التطوعية، الذي دشنته وزارة الشباب والرياضة بأهداف سامية، تسعى إلى استدماج الشباب، واستثمار طاقتهم في العمل التطوعي في سبيل صالح الوطن.
ويأتي هذا الاتحاد استجابة لأهمية العمل التطوعي وخصوصًا الشبابي، وهنا تتجلى الأهمية القصوى في التنشئة على التطوع، فممارسة العمل التطوعي بشكل مؤسسي راقٍ، تعود بالنفع على الشباب من ناحية، وتدعيم مشاركتهم في المجال العام، ودعم قيم العمل الجماعي والإيثار والولاء والانتماء، كما أنها تعود بالنفع على المجتمع من أجل مساعدة الفئات التي تحتاج إلى الدعم والمساعدة، والمشاركة في دعم جهود الدولة في تحقيق التنمية واستدامتها.
ويضاف إلى ذلك الاهتمام بالتطوع الريادي، فثمّة إبداع الآن في مجال التطوع، حيث أفرز الواقع نخبًا شبابية واعدة تنطلق في ساحة التطوع بشكل مبتكر مستخدمة كل الإمكانيات الواقعية والرقمية، التي من شأنها أن تُضفي معاني سامية للتطوع.
يتجاوز التطوع ومسؤولياته حواجز كثيرة، فيكسر حدود الوضع الاقتصادي، فليس كل متطوع، يجب أن يكون غنيًا، فصور التطوع مفتوحة أمام الجميع بغض النظر عن الغنى والفقر، كما أن التطوع يتجاوز حدود السن، فهو ليس قاصرًا على الكبار دون الصغار، أو الشيوخ دون الشباب، ويتجاوز أيضًا حواجز المناطق الجغرافية.
فهو ليس حضريًا أو ريفيًا، بل يمتد بأفق الوطن، ويمتد التطوع أحيانًا ليسبح في أطر المجتمع العالمي، فثمة جمعيات تطوعية عالمية تعمل في مجالات متعددة تتجاوز الأطر المكانية إلى أفق المجتمع العالمي الرحب. وهنا يمكن القول إن التطوع بات ضروريًا ليس من منطلق الرفاهية الاجتماعية، ولكن من منطلق المسؤولية الاجتماعية.