رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لم تعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الصين الشعبية صراعًا على فائض الميزان التجاري أو عجزه، بل تحوّلت إلى مواجهة شاملة على الغذاء والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والهيمنة الاقتصادية، أي على مقوّمات البقاء والتفوّق معًا. 

بدأت شرارتها من أسواق المعادن والرقائق وأشباه الموصًلات وامتدت غلى أقوات مزارعي فول الصويا، ومستهلكيها عبر المحيطات.

في تلك الحرب التي تُخفي وراءها تنافسًا على قيادة النظام الاقتصادي العالمي، لا يبدو أن هناك رابحًا واضحًا، وليس ثمّة استراتيجية مهيمنة بلغة نظرية الألعاب. 

لذا، فالأرجح أن تنتهي تلك الحرب بخسارة شاملة لجميع الأطراف، وموجات تضخمية متتالية تتجاوز حدود الاقتصادين العظيمين لتصيب الاقتصادات النامية في الصميم.


وكنت قد تناولت هذا الملف في عدد من المقالات وفي كتابي عن التحولات العالمية الكبرى، ومبكرًا في ورقة منشورة بمركز الدراسات الاقتصادية المصري (ECES) تحت عنوان: “Caught in the Crossfire: Assessing the Impact of the US-China Trade War on Egypt’s Economy”، التي أعددتها مع الزملاء د. محمد فؤاد، ود. محمد فريد وأ/ تسنيم ماضي، حيث خلصنا إلى أن الدول متوسطة الدخل، ومن بينها مصر، ليست بمعزل عن تداعيات الحرب التجارية بين العملاقين، إذ تتأثر مباشرة بتحولات سلاسل الإمداد وبالتغير في أنماط الاستثمار الأجنبي والتكنولوجيا.

حرب فول الصويا بدأت في عام 2018 حين فرضت واشنطن رسومًا جمركية على عدد من الواردات الصينية، فردّت بكين بفرض قيود مماثلة على وارداتها من فول الصويا الأميركي، وهي سلعة تمثّل القلب النابض للعلاقات الزراعية بين البلدين، فقد كانت الصين قبل الحرب تستورد أكثر من 60 % من فول الصويا الأميركي.

لكنها سرعان ما تحوّلت إلى أسواق بديلة في البرازيل والأرجنتين، فخسر المزارعون الأميركيون مليارات الدولارات، واضطرت الحكومة إلى تقديم حزم دعم ضخمة لتعويضهم، بينما دفعت الصين ثمن التحول إلى مصادر أكثر كلفة وأقل استقرارًا، في صورة ارتفاع أسعار الأعلاف واللحوم داخل أسواقها.

ومع انتقال مركز الثقل في تجارة الصويا إلى أميركا الجنوبية، شهد العالم اضطرابات في سلاسل الإمداد الزراعية، وارتفعت أسعار الزيوت النباتية والحبوب في أسواق عدّة، بينما زادت الضغوط البيئية على غابات الأمازون، بفعل التوسع في زراعة الصويا، فانعكست تلك التطورات على موجات التضخم الغذائي حول العالم، لتذكّرنا بأنّ الحروب الاقتصادية لا تُقاس بنتائجها السياسية فحسب، بل بمدى ما تُحدثه من اضطراب ووفورات سلبية في غذاء الشعوب ومعيشتها.

ثم جاءت حرب الرقائق لتضيف بعدًا أكثر خطورة، فحين قرّرت الولايات المتحدة تقييد صادراتها من أشباه الموصلات والتقنيات المتقدمة إلى الصين، ردّت الأخيرة بتسريع خططها للاكتفاء الذاتي التكنولوجي، وبتقييد تصديرها لعنصري الجاليوم والجرمانيوم، الأساسيين في صناعة الرقائق.

غير أن هذا الانفصال بين أكبر اقتصادين في العالم أحدث شرخًا في سلاسل القيمة العالمية، وأدّى إلى نقص المعروض من الشرائح الإلكترونية التي تدخل في كل شيء، من الهواتف الذكية إلى السيارات الحديثة، فنتج عن ذلك تضخم تقني موازٍ للتضخم الغذائي، وارتفعت كلفة الإنتاج في كل مكان. 

وتجدّدت حرب فول الصويا بين الولايات المتحدة والصين، في النصف الثاني من عام 2025، رغم الهدنة التجارية المعلنة في الربيع، إذ أعادت إدارة ترامب فرض قيود جمركية وانتقائية على واردات الصين الزراعية والصناعية

وردّت بكين بإبقاء رسوم مرتفعة على فول الصويا الأميركي، تجاوزت 13٪، رغم إعلانها لاحقًا شراء 12 مليون طن متري خلال الموسم الحالي، والتزامها مبدئيًا بشراء 25 مليون طن سنويًا حتى 2028. 

هذه الهدنة الهشّة لا تُخفي حقيقة استمرار التوتر بين عملاقي الزراعة والتجارة في العالم، حيث تحاول الصين تنويع وارداتها عبر البرازيل والأرجنتين، بينما يسعى ترامب إلى تقليص العجز التجاري عبر الضغط على قطاع حيوي، يمس قاعدة مؤيديه من المزارعين، ما يعيد فتح ملف حرب فول الصويا التي كانت من أبرز ملامح الحرب التجارية الأولى.

وهكذا تتقاطع حرب الصويا وحرب الرقائق لتشكّلا وجهين لعملة واحدة: الأولى تهدّد أمن الغذاء، والثانية تهدّد أمن التكنولوجيا، وكلتاهما تدفع الأسعار إلى الارتفاع، وتبطئ النمو، وتزعزع استقرار الاقتصادات النامية.
 

وبالنسبة للدول النامية، تبدو المعادلة أكثر صعوبة، إذ لا تملك معظم دول الجنوب أدوات الحماية التجارية، ولا القدرة التكنولوجية لإدارة هذا النوع من المخاطر، فالاعتماد على الخارج في توفير الغذاء والتقنية يجعلها أكثر عرضة للصدمات المزدوجة.

وقد رصدت ورقتنا آنفة الذكر أن مصر تحديدًا تتأثر عبر ثلاث قنوات رئيسة: قناة الأسعار العالمية للسلع الغذائية، وقناة تكاليف التكنولوجيا والتصنيع، وقناة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، فارتفاع أسعار الصويا ـ مثلًا ـ يعني زيادة كلفة الأعلاف والزيوت، بينما يؤدي ارتفاع أسعار الشرائح إلى رفع كلفة الإنتاج الصناعي.

في حين تدفع حالة عدم اليقين الشركات متعددة الجنسيات إلى تأجيل قرارات الاستثمار أو إعادة توجيهها نحو مناطق أقل توترًا.

ورغم هذه التحديات، تمتلك مصر فرصة واقعية لتتحول من “متلقٍّ سلبي”، إلى “فاعل جزئي”، في سلاسل الإمداد الجديدة، فمع تحوّل بعض الشركات إلى نقل خطوط إنتاجها خارج الصين، تبرز إمكانية استقطاب جزء من تلك الاستثمارات إلى مناطق آمنة نسبيًا، مثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

 غير أن ذلك يتطلب استقراراً تشريعياً، واستقراراً في إمدادات الطاقة والمياه، وتوسيع قاعدة التصنيع المحلي في مجالات التكنولوجيا والغذاء معاً، بما يتيح لمصر أن تكون حلقة وصل بين الأسواق الآسيوية والإفريقية.

لقد أثبتت التجارب أن الحروب الاقتصادية لا تنتهي بظهور طرف على آخر، بل بانكماش التجارة الدولية وتباطؤ النمو العالمي، أما الخسارة الحقيقية فتكمن في ارتفاع كلفة المعيشة، وتآكل القوة الشرائية للأفراد، فالتضخم الناتج عن هذه الحروب ليس تضخمًا ماليًا فحسب، بل هو تضخم في كلفة السلام نفسه.
من هنا، لا يتعين أن يكون الحل في تبادل القيود والرسوم، بل في استعادة منطق التعاون والتخصص والكفاءة، والعودة إلى نظام تجاري عالمي أكثر عدالة وانفتاحًا، أما الدول النامية فعليها أن تبني مناعتها الذاتية بتنويع شركائها ومصادرها، وتعميق صناعتها المحلية، حتى لا تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الكبار، فحرب فول الصويا والرقائق ليست سوى إنذار جديد لعالم يظن أنه قادر على خوض حرب اقتصادية طاحنة من دون تبعات ارتدادية عنيفة، لكنها حرب تستنزف أرزاق الناس وتهدّد استقرار الاقتصادات، وتذكّرنا بأن الخسارة في النهاية جماعية، مهما اختلفت الأسلحة أو الميادين.
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء