ماهر مهران: قصور الثقافة فقدت روحها بسبب الواسطة والتعيينات العشوائية| خاص
أكد الشاعر ماهر مهران أن قصور الثقافة في مصر، التي كانت تمثل في الماضي منارات للتنوير ومراكز لنشر الوعي والإبداع، تعاني اليوم حالة من التراجع الشديد نتيجة غياب الكفاءات وتغلغل المحسوبية والاعتبارات غير الثقافية في اختيار قياداتها، موضحًا أن الهيئة العامة لقصور الثقافة عندما أنشئت كان الهدف منها أن تكون هيئة للثقافة الجماهيرية، تهتم بنشر الوعي في كل ربوع الجمهورية، في المدن والقرى على حد سواء، ولكن ما يحدث الآن شيء مختلف تمامًا.
الهيئة تُعد أكبر كيان تنظيمي ثقافي في مصر
وأوضح في تصريحات خاصة لـ «إيجبتكِ»: الهيئة تُعد أكبر كيان تنظيمي ثقافي في مصر، فهي تمتلك فروعًا وقصورًا في كل المحافظات، ومن خلالها يمكن تنفيذ أي مشروع وطني أو تنويري واسع النطاق، لكن المشكلة تكمن فيمن يديرون هذه الأماكن، إذ كانوا في الماضي يختارون مثقفًا واعيًا قادرًا على الإبداع والإدارة، أما الآن فيتم اختيار موظفين بلا رؤية ولا حس ثقافي، وغالبًا يتم تفضيل من لديهم ولاءات كموظفين أو محسوبية.
وأضاف أن الاختيارات الحالية للقيادات أصبحت تُبنى على الواسطة والعلاقات الشخصية، وليس على الكفاءة أو الوعي الثقافي، فمثلًا في محافظات الصعيد، وخاصة الأقصر وأسيوط، نجد أن من يدير قصور الثقافة موظفون جاؤوا بالوساطة، وبعضهم أصحاب ميول دينية متشددة أو فكرٍ منغلق يعادي الثقافة، وبالتالي تحولت بعض القصور إلى منابر دينية لا علاقة لها بالإبداع والفن.
وتابع قائلًا: "أصبح لدينا نوعان من القائمين على الثقافة إما موظفون يفتقرون إلى الإبداع والجرأة، أو أشخاص ذوو توجهات دينية يعتبرون الثقافة حلالًا أو حرامًا، وهؤلاء لا يمكن أن يصنعوا وعيًا أو يقدموا مشروعًا ثقافيًا حقيقيًا.
نادي الأدب تحول إلى دوائر مغلقة من المصالح الشخصية
وأشار الشاعر إلى أن نادي الأدب الذي كان في الماضي ساحة للنقاش الحر والإبداع، تحول إلى دوائر مغلقة من المصالح الشخصية، حيث يسعى البعض للسيطرة عليه من أجل مكاسب مادية أو معنوية، مثل طباعة الكتب أو المشاركة في المؤتمرات، وأصبح مقياس الاختيار قائمًا على تبادل المصالح لا على الموهبة أو الفكر.
وأضاف أن "المؤتمر العام لأدباء مصر يعاني المشكلة نفسها، إذ يتم اختيار المشاركين بناءً على العلاقات والصفقات، وليس على القيمة الأدبية، مما أدى إلى غياب الوجوه الإبداعية الحقيقية، وتحول المؤتمر إلى ساحة للمجاملات، حتى أن الشخصيات المكرمة لا تُختار وفق إنتاجها أو تأثيرها، بل وفق الحسابات الشخصية.
الأنشطة الثقافية فقدت روحها التنويرية
وأوضح مهران أن الأنشطة الثقافية فقدت روحها التنويرية، وأصبحت تدار من قبل موظفين لا يملكون حسًا فنيًا أو ثقافيًا، فبدلًا من إقامة الندوات والأمسيات الشعرية والفنية، تُقام مسابقات دينية لحفظ القرآن الكريم داخل قصور الثقافة، وهذا ليس دورها، فهناك جهات أخرى مثل الأزهر والأوقاف هي المسؤولة عن ذلك.
وأكد أن هذا الخلط بين الدين والثقافة يمثل خطرًا على هوية المؤسسة، فالهيئة العامة لقصور الثقافة وُجدت لتدعم الإبداع والفنون والآداب، لا لتتحول إلى منصة دينية، مشيرًا إلى أنه خاض معارك طويلة ضد هذا الخلط، وقدم شكاوى رسمية عندما لاحظ أن بعض الفروع الثقافية في أسيوط تحولت إلى منتديات دينية متشددة تحت غطاء الثقافة.
وأضاف قائلًا: النتيجة أن الموظفين المبدعين تم تهميشهم، بينما تمت ترقية من يرضخون للأوامر أو ينفذون التعليمات دون وعي أو مبادرة، وهكذا فقدت قصور الثقافة دورها الحقيقي كمؤسسات للوعي والتنوير.
المشاركة في الأنشطة الثقافية عبئًا ماديًا لا يستطيع كثير من الأدباء تحمله
كما انتقد مهران ضعف الحوافز المادية للمبدعين، موضحًا أن الشاعر الذي يسافر عشرات الكيلومترات لإحياء أمسية شعرية يتقاضى 85 جنيهًا فقط، تُصرف بعد عدة أشهر، وربما بعد عام، مما يجعل المشاركة في الأنشطة الثقافية عبئًا ماديًا لا يستطيع كثير من الأدباء تحمله، مؤكدًا أن هذه الإجراءات البيروقراطية قتلت الحماس داخل الوسط الثقافي.
الموظفون يديرون الثقافة بعقلية الأوامر
واختتم الشاعر ماهر مهران حديثه قائلًا: ما يحدث في قصور الثقافة الآن نتيجة طبيعية لتغير القيم وانهيار المعايير، فالموهوبون مهمشون، والمتشددون يتصدرون المشهد، والموظفون يديرون الثقافة بعقلية الأوامر، لذلك تراجعت الحركة الثقافية في المحافظات بشكل ملحوظ، نحتاج إلى ثورة وعي حقيقية داخل الهيئة العامة لقصور الثقافة حتى تستعيد دورها التاريخي كمؤسسة لبناء الإنسان المصري.