رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 لم يعد مشهد العنف في المجتمع المصري قاصرًا على الكبار وحدهم، فقد باتت حوادث القتل والاغتصاب والسرقة المسلحة، التي يرتكبها مراهقون دون الثامنة عشر، حديث الشارع والإعلام، ومصدر قلق متصاعد للأسرة والدولة على السواء.

هذه الجرائم التي تتسم أحيانًا بالتخطيط والقسوة، تطرح سؤالًا محوريًا: هل ما زال تعريف "الطفل" في القانون المصري يعبر عن الواقع الاجتماعي الراهن؟ وهل آن الأوان لتسريع تعديل التشريعات بما يحقق التوازن بين العدالة وحماية المجتمع؟

قانون الطفل المصري رقم 12 لسنة 1996 ـ وتعديلاته ـ ينص على أن الطفل هو كل من لم يتجاوز الثامنة عشر من عمره ميلاديًا.

ويترتب على هذا التعريف أن الطفل لا يُسأل جنائيًا بذات المعايير التي يُسأل بها البالغ، بل تُطبَّق عليه تدابير إصلاحية وتربوية تهدف إلى التأهيل لا العقاب.

وقد كان هذا النص ملائمًا للظروف الاجتماعية التي صدر فيها، حين كانت معدلات الجريمة بين صغار السن محدودة، ولم تكن مظاهر العنف أو الإدراك المبكر لدى المراهقين بهذه الحدة التي نشهدها اليوم، فقد تغيّر الواقع، وأصبحت فئة ما بين الخامسة عشر والثامنة عشر تمثل شريحة خطيرة من الناحية السلوكية، تمارس جرائم تتطلب إدراكًا ووعيًا كاملين، الأمر الذي يفرض إعادة النظر في تحديد سن الطفولة القانونية.

التطورات التكنولوجية المتسارعة، والانفتاح الرقمي الواسع، والاختلاط الثقافي غير المنضبط، عوامل أسهمت في نضج مبكر من الناحية الذهنية والسلوكية، فالطفل في الخامسة عشر اليوم ليس كطفل التسعينيات، بل هو كائن واعٍ ومدرك، يتعامل مع التكنولوجيا والعلاقات الاجتماعية والمخاطر بوعي أقرب إلى البالغين.

ومن ثَمَّ، فإن استمرار تطبيق ذات المعايير القانونية القديمة يُعد نوعًا من الجمود التشريعي، الذي قد يؤدي إلى الإضرار بمفهوم العدالة نفسه، إذ يُسوّى بين مراهق ارتكب جريمة قتل عمدية مع سبق الإصرار، وطفل صغير لم يبلغ بعد مرحلة التمييز الكامل.

إن خفض سن الطفولة لا يعني الانتقاص من حقوق الطفل، بل هو تصحيح لتوزيع المسؤولية بما يتفق مع الواقع.

وهنا يمكننا التمييز بين ثلاث فئات:

الأولى: أقل من 15 عامًا، وفيها يُعد الطفل كاملًا لا مسؤولية جنائية عليه، وتُتخذ بحقه التدابير التربوية والإصلاحية فقط.
الثانية: من 15 إلى 16 عامًا ويتحمل مسؤولية جزئية يخضع فيها لتدابير مشددة مع إمكانية التخفيف، إذا ثبت عدم اكتمال الإدراك.
الثالثة: من 16 إلى 18 عامًا يُعامل فيها معاملة شبه بالغة في الجرائم الجسيمة، كالقَتل والاغتصاب والسطو المسلح، مع منح القاضي سلطة تقديرية في تحديد مدى النضج العقلي والتمييز.

وهكذا يتحقق التوازن بين حماية القُصّر وردع من تجاوزوا حدود الطفولة سلوكًا وفكرًا، بما يفتح باب العدالة المرنة التي تراعي النضج الفعلي أكثر من السن الزمني، ويمنح القضاء مساحة لتقدير كل حالة، وفق معطياتها الواقعية.

وللإنصاف، لا يمكن تناول قضية خفض سن الطفولة بمعزل عن الاعتراضات التي يطرحها عدد من الخبراء والحقوقيين والتربويين، فهناك من يرى أن هذا التوجه قد يصطدم بالالتزامات الدولية التي تعهدت بها مصر، ولا سيما اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، والتي تُعرِّف الطفل بأنه من لم يبلغ الثامنة عشر.

بينما يحذر آخرون من أن خفض السن قد يؤدي إلى تجريم المراهقة بدل إصلاحها، خاصة في ظل غياب البنية المؤسسية القادرة على إعادة تأهيل الأحداث بشكل فعّال.

ويرى بعض علماء النفس والاجتماع أن المراهق، وإن بدا ناضجًا، يظل في مرحلة تذبذب وجداني وسلوكي تجعله أكثر عرضة للاندفاع والتأثر بالبيئة المحيطة، مما يستدعي التعامل معه بسياسات إصلاحية لا عقابية.

ويُضيف بعض القانونيين أن المشكلة لا تكمن في النص، بل في ضعف تنفيذ القانون الحالي، إذ إن دور الرعاية ومحاكم الأحداث وآليات العدالة الإصلاحية لا تعمل بالكفاءة المطلوبة، وهو ما يجعل أي تعديل بلا أثر إن لم يصاحبه إصلاح مؤسسي شامل.

ومع ذلك، فإن هذه التحفظات لا تنفي الحاجة إلى مراجعة التشريع وتحديث فلسفته، بما يحقق التوازن بين الحماية والردع، فالقانون لا يُكتَب لحماية طرف واحد، بل لحماية المجتمع كله، طفلًا كان أو راشدًا.

ولعل النقاش حول خفض سن الطفولة يمثل خطوة ضرورية نحو إعادة بناء مفهوم العدالة الجنائية الحديثة في مصر، عدالة تتفهم التحولات الاجتماعية وتستجيب لها، دون أن تتنازل عن إنسانيتها.

إن التعجيل بتعديل التشريع أصبح ضرورة وطنية، لأن القوانين التي تتخلف عن واقعها تفقد قدرتها على تحقيق الردع والعدالة معًا، وخفض سن الطفولة لا يعني المساس ببراءة الأطفال، بل هو دفاع عن المجتمع وعن جوهر العدالة، وتأكيد أن القانون يجب أن يواكب تطور الزمن لا أن يظل أسير ماضيه.

ولعل اللحظة قد حانت لأن يتسع مفهوم حماية الطفل، ليشمل حمايته من نفسه حين يختار طريق الجريمة، عبر تشريع عادل يضمن له الفرصة في الإصلاح، ويضمن للمجتمع الأمن والطمأنينة.

يبقى أن ندرك أن التشريع وحده لا يصنع مجتمعًا آمنًا، فإلى جانب تعديل القانون، يجب أن تُفعَّل برامج وقائية وتربوية تستهدف غرس القيم في المراحل المبكرة، وضبط المحتوى الإعلامي الموجَّه للأطفال، وتدعيم دور الأسرة والمدرسة ومؤسسات المجتمع المدني في بناء وعي سليم بالحرية والمسؤولية.

لقد آن الأوان أن يتحرك البرلمان المصري والحكومة بخطوات جريئة نحو تعديل تشريعي طال انتظاره، فحماية المجتمع لا تتحقق بالشفقة، بل بالعدل المتوازن، والعدالة الحقيقية لا تُقاس بالسن فقط، بل بميزان الوعي والمسؤولية.

إن تسريع تعديل قانون الطفل ليس مطلبًا تشريعيًا فحسب، بل نداءً مجتمعيًا يعبّر عن وعي شعب يريد أن يرى قانونًا واقعيًا، يردع الجريمة دون أن يسلب البراءة، ويصون الطفولة دون أن يحمي العنف خلف قناعها.

والله من وراء القصد،
عاشت مصر شعبًا وقيادة،
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء