رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

نبع هذه السلسلة من البحث الأكاديمي الذي أرسلته للنشر بعنوان: "The Walls Remember Their Faces": Sonic Memory, Affective Resistance, and Revolutionary Temporality in Egypt's Tahrir Square، أو "الجدران تتذكّر وجوههم: الذاكرة الصوتية، والمقاومة الوجدانية، والسياسة العاطفية بين ميدان التحرير وحملة ترامب الانتخابية...!" والذي يقدم قراءة جديدة لميدان التحرير ليس بوصفه ساحة سياسية فحسب، بل ككائن حي يحتفظ بأصوات من مروا به. فالجدران تتذكر وجوههم لأنها اختزنت الأصوات التي شكلت وجدان جيل كامل.


في المقال السابق "ذاكرة الجدران"، طرحنا سؤالاً وجودياً حول قدرة الجدران على حفظ ذبذبات أصواتنا. 

واليوم، نجد الإجابة في قلب ميدان التحرير الذي لم يكن اختياره محض صدفة. 

فكما صُمم ليكون قلب القاهرة النابض، تحول إلى قلب للوجدان الجمعي المصري. شرايينه المتفرعة - رمسيس وطلعت حرب والجلاء وقصر العيني - لم تكن مجرد طرق، بل تحولت إلى قنوات تنقل الأمل والتغيير. 

لم يكن الخديوي إسماعيل الذي أسس الميدان يتخيل أن ساحته ستتحول إلى منصة للحرية. من "ميدان الإسماعيلية" إلى "ميدان التحرير" بعد ثورة 1919، حمل هذا المكان دائماً في طياته بذور التغيير.

 والمباني المحيطة به - من المتحف المصري إلى الجامعة الأمريكية إلى مجمع التحرير - لم تكن مجرد مبانٍ، بل كانت شهودا على تاريخ يتكشف.


أتذكر تلك الليلة بوضوح، حين تحولت الهمسات إلى موجات متلاحقة من الهتافات.

 لم تكن مجرد كلمات، بل كانت نبضات قلب جماعي، عامل بسيط بجانب طبيب، وطالبة جامعية بجانب سيدة مسنة، جميعهم يرددون: "عيش، حرية، كرامة إنسانية".

 كانت لوحة صوتية متماسكة من أصوات متنوعة، تشكل منها نسيج وجداني واحد.
كان الإيقاع هو السر الخفي الذي يؤكد فرضية بحثنا. إيقاع الهتافات الذي يشبه دقات القلب، إيقاع التصفيق الذي يوحد الأنفاس، إيقاع الخطى الذي يحول الحشود إلى جسد واحد. هذا الإيقاع لم يكن مسموعاً فقط، بل كان محسوساً في الجسد، ينبه كل خلية إلى انتمائها لكيان أكبر.


وهنا نرى تجسيداً عملياً لفكرة الأرشيف الصوتي التي طرحناها في البحث. 

فلم تكن الأغاني مجرد ترفيه، بل كانت أرشيفا حيا للذاكرة الجمعية. عندما كان المحتجون يغنون "بلادي بلادي"، لم يكونوا يستدعون الماضي فحسب، بل يعيدون صياغة الحاضر. 

كل أغنية كانت تشكل خيطا في النسيج الوجداني الجامع، مما يؤكد فرضية الذاكرة الصوتية كأداة للمقاومة الوجدانية.


وكما تنبأ البحث، أصبحت الهتافات قصائد حية تكتبها الجماهير بلحظتها. لم تكن شعارات جافة، بل قصائد بسيطة تلامس الروح. لقد تحول الصوت نفسه إلى شكل من أشكال المقاومة - كل هتاف تأكيد على الوجود، كل أغنية رفض للصمت، كل تصفيقة تحدي للخوف.


الأصوات في التحرير لم تكن عالية فقط، بل كانت حرة. حرة في القول، حرة في التعبير، حرة في الوجود. هذه الحرية الصوتية كانت تدريبا على الحرية السياسية، تمهيداً للتحرر الكامل، وهي الفكرة الأساسية التي يدور حولها بحثنا.


ما صنعه المحتجون كان نسيجاً صوتياً معقداً من المشاعر: خيط من الأمل، وآخر من الغضب، وثالث من الحلم، ورابع من التحدي. 

جميعها نسجت معاً لتشكل غطاء من الكرامة يلف الميدان كله. هذا التشريح للوجدان الجمعي هو جوهر الدراسة التي نقوم بها.
 

اليوم، ورغم مرور السنوات، تثبت فرضية بحثنا صحتها. فما زالت أصوات التحرير حية. الجدران حول الميدان قد أعيد طلاؤها، لكنها ما زالت تحتفظ بذبذبات تلك الأصوات. الهواء قد تغير، لكنه ما زال يتردد بصدى أحلام الملايين.


سيمفونية الكرامة التي عزفها أهل التحرير تذكرنا بأن الصوت الحر هو أقوى سلاح، وأن الوجدان الجماعي هو أقوى أساس للتحول الاجتماعي. 

وهذا ما يدعونا في المقال القادم إلى الانتقال من سيمفونية الكرامة العضوية في التحرير إلى الآلة الموسيقية المصنوعة في الحملات الانتخابية في "شعبوية الترامب الصوتية: كيف تُصنع الذاكرة الزائفة بالموسيقى الصاخبة"، لنرى الوجه الآخر للسياسة العاطفية.

 فالكرامة، مثل الموسيقى، لا تموت. وميدان التحرير سيظل قبلة ومصدر إلهام للباحثين عن الحرية والكرامة، وشاهداً حياً على صحة مقولتنا: إن الجدران تتذكر وجوههم لأنها تحتفظ بأصوات أحلامهم.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء