خبير يكشف الهدف الخفي وراء التدخلات الروسية في أفريقيا|فيديو
أكد كارلوس لوبيس، الأمين التنفيذي السابق للجنة الاقتصادية للأمم المتحدة لأفريقيا، أن القارة الأفريقية تمر بمرحلة دقيقة من إعادة التوازن في علاقاتها الدولية، في ظل تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وعلى رأسها روسيا والولايات المتحدة والصين والهند ودول الخليج، وأن الأفارقة يسعون إلى تنويع شراكاتهم الاقتصادية والاستثمارية، والتحول من مجرد تجارة تقليدية قائمة على تصدير المواد الخام واستيراد السلع، إلى نموذج أكثر استدامة يقوم على التصنيع المحلي وبناء البنية التحتية والطاقة.
سياسة البقاء في عالم متقلب
وأشار كارلوس لوبيس، خلال مقابلة عبر قناة الجزيرة، إلى أن أفريقيا تتبنى موقف الحياد الاستراتيجي في ظل الصراعات الدولية المتشابكة، موضحًا أن القارة "متأخرة في الانضمام إلى التحالفات الكبرى"، وهو ما يمنحها مرونة كبيرة في التعامل مع الأطراف كافة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب، وأن الأفارقة يدركون أن اختيار طرف واحد على حساب الآخر قد يضر بمصالحهم الاقتصادية والسياسية، لذلك يفضلون البقاء على مسافة واحدة من الجميع، مستفيدين من التنافس بين القوى العالمية للحصول على أفضل العروض في مجالات الاستثمار والتنمية.
وبيّن كارلوس لوبيس، أن الهدف الأساسي للتدخلات الروسية في أفريقيا هو جيوسياسي بالدرجة الأولى، لكنه يحمل أيضًا فرصًا اقتصادية واعدة للطرفين، وأن روسيا وضعت هدفًا واضحًا بمضاعفة حجم تجارتها مع أفريقيا بحلول عام 2030 لتصل إلى 50 مليار دولار سنويًا، لافتًا إلى أن تحقيق هذا الهدف لن يكون عبر تصدير السلع فقط كما في الماضي، بل عبر شراكات إنتاجية واستثمارات مباشرة في قطاعات البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا.
الطاقة والبنية في قلب التعاون
وأوضح الخبير الأممي، أن التركيز الروسي في أفريقيا بات منصبًا على مجالات الطاقة الكهرومائية والنووية والمشاريع الرقمية والمعدنية، وهي قطاعات تمثل ركيزة التحول الصناعي في القارة، وأن هذا التحول من التجارة إلى الإنتاج المشترك يعزز من قدرة الاقتصادات الأفريقية على تحقيق النمو الهيكلي وتطوير صناعاتها الوطنية، خاصة مع توقيع اتفاقيات استثمار ثنائية توفر ضمانات قانونية تشجع على تدفق رؤوس الأموال الأجنبية.
وشدد كارلوس لوبيس، على أن إضافة القيمة للمنتجات المحلية من خلال التصنيع داخل أفريقيا باتت أولوية رئيسية للحكومات الأفريقية، مشيرًا إلى أن المستقبل لا يكمن في استمرار تصدير المواد الخام، بل في تحويلها إلى منتجات صناعية توفر فرص عمل وتزيد من تنافسية القارة عالميًا، وأن روسيا بدأت تحاكي النموذج الصيني في دعم الصناعات الأفريقية وبناء منصات تكنولوجية للبنية التحتية والطاقة والاتصالات، معتبرًا أن هذا التوجه يعزز من استقلال القارة الاقتصادي ويدعم قدرتها على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية.

القارة في لحظة التنافس الدولي
ورأى كارلوس لوبيس، أن الأفارقة يستغلون اللحظة الحالية كنقطة تحول تاريخية، حيث يتنافس الجميع من الهند وتركيا ودول الخليج إلى الصين وروسيا على كسب ثقة القارة الغنية بالموارد الطبيعية والأسواق الواعدة، وأن هذا التنافس يتيح لأفريقيا فرصة غير مسبوقة لبناء علاقات اقتصادية متوازنة ومتنوعة، تحميها من التبعية لأي قوة بعينها، وتفتح أمامها آفاقًا جديدة في مجالات الاستثمار الصناعي والتكنولوجي والطاقة النظيفة.
واختتم كارلوس لوبيس، حديثه بالتأكيد على أن التحدي الأكبر أمام أفريقيا هو تحويل هذا الاهتمام الدولي إلى إنجازات ملموسة على الأرض، من خلال إصلاحات اقتصادية وهيكلية تضمن بيئة استثمار مستقرة وشفافة، وأن القارة تمتلك الآن الفرصة الذهبية للتحول من موقع المتلقي للمساعدات إلى شريك في الإنتاج العالمي، شرط أن تستمر في سياسة الحياد الذكي، وتستثمر التنافس بين القوى الكبرى لبناء مستقبل يعتمد على الاستقلال الاقتصادي والابتكار والتنمية المستدامة.