أستاذ علم نفس: نحو 1.2 مليون مستخدم يناقشون الانتحار مع الذكاء الاصطناعي| فيديو
كشفت الدكتورة رحاب العوضي، أستاذ علم النفس السلوكي، عن ظاهرة مقلقة تتمثل في حديث نحو 1.2 مليون مستخدم أسبوعيًا مع تطبيق "شات جي بي تي" حول مخططات للانتحار، مؤكدة أن هذه الظاهرة تعكس أزمة ثقة حقيقية بين البشر، وأن ما يحدث "كان متوقعًا وطبيعيًا منذ الطفرة التكنولوجية الأخيرة"، مشيرة إلى أن المستهدف الأول من هذه التحولات هم المراهقون والشباب، بهدف إدخالهم في دوامة من المشكلات النفسية والعزلة الاجتماعية، مما يؤدي إلى فقدان القدرة على الإنتاج والتفاعل، وبالتالي يسهل التحكم في وعيهم داخل بعض المجتمعات.
الذكاء الاصطناعي ليس بديلًا
وأضافت رحاب العوضي، خلال مداخلة هاتفية على قناة النيل للأخبار، أن جذور الأزمة الحقيقية تكمن في غياب التواصل الإنساني الفعلي، قائلة: "الإنسان لم يعد يجد من يحتضنه أو يطمئنه أو يقول له كلمة طيبة، فالتكنولوجيا أصبحت الملجأ الوحيد"، وأن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يكون بديلًا للطبيب النفسي البشري، موضحة أن ما يقدمه هو مجرد مساحة للتفريغ الانفعالي المؤقت، إذ أن بعض الأشخاص لديهم ما يُعرف بـ"التداعي الحر"، أي الميل للتحدث فقط لتخفيف التوتر، لكن شات جي بي تي لا يمتلك القدرة على معالجة الجذور النفسية أو تقديم الدعم العلاجي الصحيح.
وأكدت رحاب العوضي، أن أحد أسباب لجوء الشباب إلى الذكاء الاصطناعي هو ضعف الثقة في بعض ممارسي مهنة العلاج النفسي، مشيرة إلى أن بعضهم يفتقر إلى الخبرة الحقيقية ويستغل حاجة المرضى، قائلة: "حين يفقد الإنسان الثقة في المتخصصين، يلجأ للتطبيقات الرقمية كخيار أسهل وأرخص"، محذرة من أن هذا النمط من التفاعل يزيد من تفاقم الأزمات النفسية بدلًا من علاجها، حيث يجد الفرد نفسه محاصرًا في دائرة من الأفكار السلبية دون دعم واقعي من البشر المحيطين به.
التكنولوجيا ومشاعر الوحدة والانعزال
وأوضحت أستاذة علم النفس السلوكي، أن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا يجعل الإنسان يشعر بوحدة مميتة رغم وجوده في عالم مزدحم بالمعلومات والتفاعل الافتراضي، وأن هذه الحالة تظهر بوضوح بين الشباب الذين يقضون ساعات طويلة على الهواتف والألعاب الإلكترونية دون أي تفاعل اجتماعي حقيقي، ما يؤدي إلى إدمان رقمي يفصلهم تدريجيًا عن الحياة الواقعية، مؤكدة أن "الإنسان حين لا يجد أحدًا يحتضنه أو يقول له كلمة طيبة، تصبح التكنولوجيا وسيلته الوحيدة للبقاء، لكنها لا تمنحه دفئًا إنسانيًا حقيقيًا".
وحذرت رحاب العوضي، من أن المحادثات المتكررة حول الانتحار مع الذكاء الاصطناعي قد تؤدي إلى تطبيع الفكرة في العقل الباطن، موضحة أن إعادة طرح الأسباب والأسئلة نفسها يعزز لدى الشخص اقتناعه بعدم جدوى الحياة، وأن الشات بدلًا من أن يردعه، يعيد صياغة التساؤلات بطرق جديدة تجعل الفكرة تترسخ أكثر، فيقتنع المستخدم بأنه "وحيد ولا جدوى من وجوده"، ما قد يؤدي فعليًا إلى تنفيذ الفعل الانتحاري.
دعوة إلى اليقظة الأسرية
وشددت الدكتورة رحاب العوضي، على ضرورة أن يعود الدور التربوي للأسرة من خلال المتابعة اليومية لأبنائهم، وعدم تركهم فترات طويلة مع الأجهزة الذكية دون رقابة، قائلة: "الأهل يجب أن يسألوا أبناءهم عمّا يكتبون ويتفاعلون معه، فالكثير من حالات الانتحار تبدأ من مجرد حوار افتراضي لم يلاحظه أحد"، وأن وجود حيوان أليف في حياة المراهق، بحسب الدراسات، قد يقلل من الميل إلى الانتحار لأنه يعزز مشاعر الرحمة والانتماء.

واختتمت رحاب العوضي، حديثها بالتأكيد على أهمية تعليم الأطفال والمراهقين مهارات حل المشكلات ومواجهة الأزمات بدلًا من الهروب منها أو اللجوء للعنف أو الانتحار، مشيرة إلى أن التعليم والإعلام والدراما جميعها يجب أن تسهم في ترسيخ قيم الصبر، والرحمة، والتسامح، وأن على المجتمع بأسره أن يدق ناقوس الخطر، لأن ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة تكنولوجية، بل أزمة إنسانية حقيقية تهدد التوازن النفسي للأجيال القادمة.