بتبسيط شديد ودون حشو مصطلحات منتفخة، فلفظة "اليسار" سياسيًا تعني "المتشددين"، ويسمونهم في موضع آخر "الراديكاليين". يقولون: "فلان راديكالي"، وكلها بمعنى التشدد الذي له موقف متطرف قليلًا عن الطرح الموجود أو الحاكم الموجود أو الحزب الموجود.
وبالتالي فالمعنى يتغير حسب المكان؛ فالمتشدد مع حكومة اشتراكية يعني أنه اشتراكي "زيادة عن اللازم"، والمتشدد مع حكومة يمينية أو محافظة أو رأسمالية يعني أنه متطرف في ذلك عن الموجود، ومن هنا فاليسار في أي مكان في العالم غير اليسار في الولايات المتحدة التي يعني اليسار فيها التطرف والتشدد في الانتماء للرأسمالية أو للحكم اليميني المحافظ!
هذا الاستهلال، الذي نعترف أنه طال قليلًا، سببه القول إن زهران ممداني، الذي فاز صباح اليوم بمقعد حاكم نيويورك المهمة، لا يعني أنه "اشتراكي" بالمعنى الذي نفهمه.
وهنا نتوقف؛ ممدانى اشتراكي بالمعنى العالمي للكلمة، منحاز - فعلا - للبسطاء والفقراء، وبرنامجه يحتوي على خطط للقضاء على الفقر ودعم كبار السن، وبرامج اجتماعية لتحسين أوضاع المهمشين وانتشالهم من العوز والحياة الاجتماعية الصعبة التي يعانون منها.
زهران ممدانى ضد الصهيونية وضد السياسة الإسرائيلية، وإن لم نعرف موقفه من إسرائيل ذاتها، ونتوقع أنه لا يجرؤ أن يكون ضد وجودها، فمثل هذه المواقف ممنوعة في الولايات المتحدة أصلًا، ويلقى أصحابها صعوبات كبيرة ومعاملة قاسية.
السؤال، وهو موضوع المقال: ما علاقتنا بإجراءات اجتماعية أو حتى إدارية تخص أهالي نيويورك؟ والإجابة: إنه لا علاقة لنا بالانتخابات كلها إلا من عدة زوايا؛ أولها أنها أول هزيمة كبيرة لترامب، وهذا مطلوب في ذاته، حتى لو كانت هزيمة في مباراة رياضية، حتى تتراجع حالة الانتفاخ التي أصابته وصدق معها أنه يمتلك الكوكب بمن عليه. نريد الداخل الأمريكي يشغله عنا قليلًا.
الثاني: إعادة فكرة التنافس والندية للداخل الأمريكي بدلًا من انفراد ترامب بكل شيء وكأنها بلد الحزب الواحد.
ثالثًا: نعم، زهران ممداني، ينتمي للحزب الديمقراطي، وبيننا وبينه مشاكل، لكن مشاكلنا مع ترامب أصعب. أي حزب أو أي مجموعة حاكمة في واشنطن أفضل من مجموعة "المسيحية الصهيونية" (توجه يخلط بين السياسة والنبوءة الدينية ترفضه الكنائس المصرية كلها) المتطرفة الموجودة في البيت الأبيض. موقفنا من الحكام والإدارات الحاكمة تحدده مواقفهم من أوطاننا في الأساس.
مبروك زهران ممداني.. نتمنى له الاستمرار والثبات على ما يؤمن به وانتُخب بسببه