رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت
إيجبتكِ

تعالت في الأوساط الأكاديمية والإعلامية تساؤلات حول ما إذا كانت جبهة لبنان قد فُتحت مجددًا، بعد تصاعد حدة الخطاب الإسرائيلي في الأيام الأخيرة، لا سيما عقب تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التي أكد فيها أن إسرائيل “لن تسمح للبنان بأن يصبح جبهة جديدة ضدها”، ملوّحًا باتخاذ “أي إجراء مطلوب”. 

هذه التصريحات جاءت متزامنة مع تحذيرات وزير الدفاع إسرائيل كاتس، الذي وصف سلوك حزب الله بأنه “لعب بالنار”، في وقت اتهم فيه الرئيس اللبناني بالتلكؤ في تطبيق بنود اتفاق الهدنة الموقع بين البلدين في نوفمبر 2024.

يشير اتفاق الهدنة المذكور عاليه ِإلى التزام الحكومة اللبنانية بإبعاد مقاتلي حزب الله عن المناطق القريبة من الحدود مع إسرائيل ونزع سلاحهم، وهي مهمة لم يتحقق منها سوى القليل، إذ رفض الحزب التخلي عن ترسانته العسكرية طواعية، مؤكدًا أن سلاحه “جزء من معادلة الردع الوطني”.

هذا الرفض أعاد إلى الأذهان مشاهد ما قبل حرب 2006، حين أدى تراكم التوترات والخروقات إلى انفجار مواجهة شاملة بين الجانبين، وذلك باعتبار أن أحد أهم المحددات التي تحكم سلوك إسرائيل التفاوضي في الملفات الإقليمية الحساسة، وفي مقدمتها الوضع في غزة.

فهذا النموذج الذي برز بوضوح عقب توقيع اتفاق وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية، لم يكن مجرد ترتيب ميداني محدود، بل كان صيغة لإدارة الصراع دون حسمه، عبر تثبيت قواعد اشتباك جديدة تسمح لإسرائيل بالاحتفاظ بهوامش تدخل عسكري وأمني من دون تحمّل كلفة حرب شاملة.

وقد تضمن اتفاق لبنان ثلاث ركائز أساسية: انسحاب حزب الله شمال نهر الليطاني، انسحاب إسرائيلي كامل خلال 60 يومًا، وتوقف العمليات الهجومية.

لكن إسرائيل تحايلت على الاتفاق عبر تثبيت “حق التدخل” العسكري عند الضرورة، والإبقاء على خمسة مواقع استراتيجية في الجنوب اللبناني بذريعة الضرورات الأمنية، فضلًا عن استمرار الضربات الجوية على الأراضي اللبنانية مع المحافظة شكليًا على إطار وقف إطلاق النار.

 وبذلك رسخت إسرائيل نموذج “الأمن الوقائي المتقدم” القائم على ضبط التهديد بدلًا من استئصاله.

في هذا السياق، برزت تصريحات المبعوث الأمريكي، توم باراك، الذي وصف الجهود اللبنانية لنزع سلاح حزب الله بأنها تسير “بإيقاع دبلوماسي بطيء”، وفي الحقيقة أرسل رسالة تحذيرية من أن إسرائيل “لن تنتظر طويلًا” في ظل ما تعتبره إعادة تسليح متسارعة للحزب وعليه فقد تنطوي تصريحات باراك على مؤشرات مقلقة، إذ يبدو أن واشنطن تتبنى موقفًا أكثر تشددًا تجاه لبنان، وربما تمهد لضوء أخضر ضمني لإسرائيل لتوسيع عملياتها في الشمال إذا فشلت الجهود الدبلوماسية.


ورغم أن إسرائيل شنت خلال الأشهر الماضية عشرات الغارات الجوية ضد مواقع بزعم إنها تابعة لحزب الله أو ممرات تهريب أسلحة على الحدود السورية-اللبنانية، فإنّ تلويح نتنياهو ووزير دفاعه باستخدام القوة يشي بأن تل أبيب تقترب من مرحلة الحسم العسكري، خصوصًا مع اقتراب نهاية مهلة نزع السلاح المحددة في الخطة اللبنانية المدعومة أمريكيًا.

في المقابل، يرى مراقبون أن تل أبيب تدرك أن فتح جبهة جديدة في لبنان وهي لا تزال غارقة في مأزق غزة سيكون بمثابة مغامرة مكلفة قد تجر المنطقة إلى تصعيد أوسع.

ومع القراءة الاستراتيجية فكل التجليات تشير إلى أن إسرائيل تستخدم خطاب التهديد كأداة ضغط مزدوجة: داخليًا لترميم صورتها السياسية المهتزة بعد إخفاقاتها العسكرية في غزة، وخارجيًا لابتزاز الحكومة اللبنانية وحلفائها الدوليين.

 كما أن التركيز على حزب الله يعكس رغبة إسرائيلية في إعادة صياغة أولويات الصراع بعيداً عن المأزق الإنساني والسياسي الذي تسببت فيه حربها المستمرة على القطاع.


ومع ذلك، فإن احتمالات الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لا تزال قائمة، خاصة إذا ما استمرت الاستفزازات المتبادلة عند الخط الأزرق أو نفذت إسرائيل عملية نوعية تستهدف مواقع للحزب في العمق اللبناني. 

وفي هذه الحالة، سيصبح المسرح اللبناني مجددًا جزءًا من معادلة الردع الإقليمي التي تشمل غزة وسوريا وإيران، ما يعني أن أي تصعيد محدود قد يتحول سريعًا إلى مواجهة متعددة الجبهات.

ختامًا، لا يمكن القول إن جبهة لبنان قد فُتحت رسميًا بعد، لكن المؤشرات السياسية والميدانية تدل على أن إسرائيل تضع الاحتمال العسكري على الطاولة كخيار قابل للتفعيل مع مطلع العام المقبل، إذا لم تنجح الضغوط الأمريكية في تفكيك معادلة “الجيش والشعب والمقاومة”.

وبين لعبة التصعيد والردع، يبقى لبنان عالقًا في معادلة معقدة تتجاوز حدوده، وتختزل الصراع الأوسع بين محاور المنطقة حول من يرسم خريطة النفوذ في الشرق أوسط بعد حرب غزة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء