علاء سرحان: "اقتصاد المناخ" ثروة جديدة تولد من رحم الأزمات
أكد الدكتور علاء سرحان، أستاذ اقتصاديات البيئة بجامعة عين شمس، أن “اقتصاد المناخ” أصبح من أهم محركات الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة، بعدما تحول من مجرد مفهوم أكاديمي إلى أحد الركائز الأساسية التي تقوم عليها السياسات الاقتصادية والاستثمارية في العالم، لافتًا إلى أن هذا الفرع من الاقتصاد يدرس الجوانب المالية والاجتماعية والبيئية لتغير المناخ، وكيفية إدارة آثاره على المجتمعات والاقتصادات.
وأضاف سرحان في تصريحات لـ “إيجبتك” أن جوهر اقتصاد المناخ يتمثل في معالجة ما يُعرف بـ قصور السوق، وهو أحد أهم أسباب تفاقم الأزمات البيئية، لأن السوق في شكله التقليدي لا يُحمل الأنشطة الاقتصادية التكلفة الحقيقية للتلوث أو انبعاثات الكربون. فالشركات والأفراد يحققون منافع اقتصادية مباشرة من استخدام الوقود الأحفوري، في حين تتحمل البيئة والمجتمعات تكاليف خارجية لا تنعكس على أسعار المنتجات أو الخدمات.
تحولت الانبعاثات الكربونية إلى سلعة اقتصادية لها سعر
وأوضح أن هذا الخلل دفع الحكومات والمنظمات الدولية إلى إدماج البعد البيئي في السياسات الاقتصادية، بحيث يتم احتساب القيمة البيئية والاجتماعية ضمن التكلفة الحقيقية للسلع والخدمات. وهنا تحولت الانبعاثات الكربونية إلى سلعة اقتصادية لها سعر يُتداول في الأسواق من خلال آليات مثل ضرائب الكربون أو تجارة الانبعاثات، ما فتح الباب أمام ما يُعرف بـ”سوق الكربون العالمي”.
وقال خبير اقتصاديات البيئة أن هذا التحول غير كثيرًا من قواعد اللعبة الاقتصادية، فالعالم لم يعد يقيس النمو فقط بمعدلات الإنتاج أو الناتج المحلي الإجمالي، بل أصبح يقيسه أيضًا بمدى استدامته وانخفاض بصمته الكربونية. كما ظهرت مفاهيم جديدة مثل الاقتصاد الأخضر والتمويل المستدام، التي تهدف إلى تحقيق نمو اقتصادي منخفض الانبعاثات مع الحفاظ على العدالة الاجتماعية.
وأشار إلى أن الكوارث المناخية، رغم آثارها السلبية، خلقت في المقابل أسواقًا جديدة للأرباح، يمكن تقسيمها إلى نوعين رئيسيين:
الأول هو أسواق رد الفعل، وتشمل أنشطة التأمين وإعادة الإعمار والخدمات اللوجستية التي تزدهر بعد الكوارث، وهي تحقق مكاسب اقتصادية ولكنها تعكس فشلًا في الوقاية المسبقة.
أما النوع الثاني فهو الأسواق الاستباقية، التي تركز على الاستثمار في الحلول الوقائية مثل الطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والبنية التحتية المقاومة للمناخ، وهذه تمثل التوجه المستقبلي نحو اقتصاد أكثر مرونة واستدامة.
وبين أن المستفيدين من هذه التحولات المناخية ينقسمون إلى ثلاث فئات:
1- المستفيدون المباشرون، وهم شركات التأمين والبناء وصناديق التحوط التي تحقق أرباحًا من الكوارث عبر رفع الأسعار أو تقديم خدمات ما بعد الأزمة.
2- المستفيدون من التحول الأخضر، وتشمل شركات الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية والتكنولوجيا النظيفة، إضافة إلى صناديق الاستثمار المستدامة والسندات الخضراء.
3- المستفيدون الجيوسياسيون، وهم الدول التي تمتلك موارد أو تكنولوجيا متقدمة في مجالات الطاقة النظيفة والمعادن الحرجة مثل الليثيوم والكوبالت، إلى جانب الدول الباردة التي قد تستفيد من ذوبان الجليد وتحول المناخ إلى صالحها نسبيًا.
التحول نحو اقتصاد المناخ لم يخل من التحديات
ولفت سرحان إلى أن التحول نحو اقتصاد المناخ لم يخل من تحديات، أبرزها عدم عدالة توزيع التمويل المناخي بين الدول الغنية والنامية. فالدول المتقدمة لم تلتزم بالكامل بتعهداتها بتوفير 100 مليار دولار سنويًا لدعم الدول النامية في مواجهة تغير المناخ، كما أن الجزء الأكبر من هذا التمويل يأتي في شكل قروض لا منح، ما يزيد أعباء الديون على الاقتصادات النامية، رغم أنها ليست المسؤول الأكبر عن الانبعاثات.
المؤسسات الدولية بدأت تدرك أن المناخ لم يعد قضية بيئية فقط، بل قضية اقتصادية وأمنية
وأكد أن المؤسسات الدولية الكبرى مثل البنك الدولي وصندوق النقد بدأت تدرك أن المناخ لم يعد قضية بيئية فقط، بل قضية اقتصادية وأمنية عالمية، إذ تهدد الكوارث المناخية الاستقرار المالي وسلاسل التوريد والبنية التحتية والإنتاج الغذائي في مختلف الدول. لذلك أصبحت هذه المؤسسات تُدخل المناخ ضمن معاييرها التمويلية وخططها التنموية، ليس بدافع بيئي فقط بل لحماية النظام المالي العالمي.
مصر تمتلك مقومات قوية للتحول إلى مركز إقليمي للاقتصاد الأخضر
وحول الوضع في مصر، قال سرحان إن الدولة تمتلك مقومات قوية للتحول إلى مركز إقليمي للاقتصاد الأخضر بفضل موقعها الجغرافي المتميز ومشروعاتها الضخمة في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر. وأوضح أن مصر يمكنها تحويل قناة السويس إلى ممر ملاحي أخضر من خلال استخدام الطاقة النظيفة في النقل البحري، إضافة إلى تطوير المناطق اللوجستية والصناعية لتصبح مراكز لتجارة وتخزين السلع الخضراء.
نجاح مصر في هذا المجال يتطلب استمرار الدعم الحكومي للمشروعات البيئي
وشدد سرحان على أن نجاح مصر في هذا المجال يتطلب استمرار الدعم الحكومي للمشروعات البيئية، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في الحلول المستدامة، مع تعزيز دور البنوك في تقديم أدوات تمويل خضراء وميسّرة، مشيرًا إلى أن ذلك سيسهم في خلق فرص عمل جديدة وجذب استثمارات أجنبية مباشرة.