رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت
د. سلوي سليمان
د. سلوي سليمان

  لطالما ارتبط التعليم في المجتمعات الحديثة بعملية نقل المعرفة والتدريب العقلي، إلا أن هذا التركيز الضيق قد أهمل الجوانب الإنسانية التي تُعد أساسية في تكوين الفرد المتكامل، ومن البديهي أن الطابع الدينامي الذي يطغى على كثير من النظم التعليمية المعاصرة قد أفرز بيئات تعليمية تفتقر إلى الدفء والتواصل ، مما انعكس سلبًا على صحة الطلاب النفسية، ودافعيتهم نحو التعلم، وقدرتهم على التفاعل الإيجابي مع الآخرين، من هنا تنبع أهمية الدعوة إلى أنسنة التعليم، بوصفها دعوة إلى إعادة الاعتبار للإنسان داخل العملية التعليمية، بكل ما يحمله من مشاعر وظروف وأحلام وتحديات. وهنا نستكشف أن  "أنسنة التعليم" يعتبر مدخلًا تربويًا يرتكز على الاعتراف بالطالب ككائن عاطفي واجتماعي، لا كمجرد متلقٍّ للمعرفة.  


فحين يهمس المعلم لطلابه:
"أنا هنا. إذا أردتمِ الحديث، إذا أردتمِ الصمت، إذا احتجتمِ حضنًا من الكلمات... أنا هنا "في تلك اللحظة، لم يعد التعليم هو المعادلات أو التواريخ أو الإملاء، بل كان الحضور الإنساني، الإنصات، الشعور بالآخر، وإعادة دفء القلوب قبل صرامة المناهج، وهذا  لا يعني تقليل الجدية أو خفض المعايير، بل يعني أن نجعل المعرفة قريبة من الروح، وأن نعلّم بعيون ترى، وآذان تسمع، وقلوب تتعاطف. 
وبما لا يدع مجالاً للشك أن أنسنة التعليم هي المشروع التربوي الذي يجعل من المدرسة بيتًا للكرامة، ومن المعلّم قدوة أخلاقية، ومن المعرفة جسرًا نحو التفاعل مع العالم، لا سورًا يعزل الإنسان عنه... إنها انتقال من منطق التعليم العمودي –الذي يُملِي من أعلى– إلى التعليم الحواري الذي يُبنى بالتشارك والاحترام المتبادل.
ولأن التعليم هو ما يُشكّل وعي الأجيال، فإن أنسنته ليست ترفًا تربويًا بل هي ضرورة حضارية، فالمجتمعات التي تُنصت إلى أطفالها، وتحترم اختلافاتهم، وتُهيّئ لهم بيئة تعليمية حانية، تبني مستقبلًا أكثر توازنًا وأمانًا. فالأمان العاطفي والمعرفي في سنوات الدراسة الأولى، هو ما يُشكّل شخصية متماسكة قادرة على القيادة والإبداع والتعاطف في المستقبل.


وفي الأخير ....إن أنسنة التعليم  ليست يوتوبيا، بل حقٌ إنساني؛ والدعوة إليه ليست مجرد استجابة عاطفية لعالم يزداد قسوة، بل هي استعادة لدور التعليم الأصيل كمحرّك للنمو الإنساني الشامل، وكمساحة تعبير عن الكينونة الإنسانية بكل أبعادها: العقلية، والعاطفية، والاجتماعية، والروحية،  وفي هذا السياق  ثبت بالتجربة أن التعليم الذي يتجاهل الجانب الإنساني، والذي يُختزل في درجات واختبارات ونتائج، ينتج أفرادًا ربما يكونوا مجتهدين، لكنهم يعانون من القلق، والاغتراب، وفقدان المعنى.
لذلك، فإن مستقبل التعليم الناجح  يكمن  في استعادة اللمسة الإنسانية التي تجعل من التعلّم رحلة ذات معنى، لا مجرد عبور نحو التخرج، وليس هذا  مهمة المعلمين وحدهم، بل مسؤولية مشتركة: تبدأ من سياسات الدولة، وتمر بوعي الأسرة، وتنمو في ثقافة المجتمع، فحين نًعلم بإنسانية  ليس رفاهية تربوية، بل ضرورة وجودية تفرضها التحديات المتزايدة التي تواجه الأجيال الجديدة، ومن هنا  إن إعادة الاعتبار لإنسانية الطالب والمعلم على حدّ سواء، هو السبيل لبناء مدرسة الحياة، تعليمٌ يُنصت، ويحتضن، ويراعي، ويبني مستقبلًا أكثر وعيًا وعدالة ودفئًا، ويجعل من كل طالب حكاية تستحق أن تُروى، ومن كل معلّم إنسانًا قبل أن يكون معلماً....

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء