تاريخ الظلام.. كيف استهدف السلفيون ذاكرة الفراعنة حتى المتحف الكبير؟
في قلب حضارةٍ تمتدّ لسبعة آلاف عام، يقف التاريخ المصري شاهدًا على عظمةٍ لا تُمحى، غير أنّه وجد نفسه في العقود الأخيرة هدفًا لحملات فكرية وعدوانية، قادها تيار يرفع شعار الدين، ويُخفي تحت عباءته عداءً دفينًا للحضارة والهوية المصرية، فالتيار السلفي والإخواني، رأى في التماثيل والمعابد والآثار القديمة رموزًا "وثنية" يجب محوها، لا رموزًا وطنية تحفظ ذاكرة الأمة.
أخطر ما في هذه الحرب أنّها لا تستهدف الآثار فقط، بل ذاكرة مصر ذاتها، خاصة بعد أن وصل المد التكفيري التطرفي إلى أعظم إنجاز حضاري شهد العالم خلال الأيام الماضية (افتتاح المتحف المصري الكبير)، إذ خرج علينا الداعية الإسلامي الشهير مصطفى العدوي، عبر فيديو مثير نشره على وسائل التواصل الاجتماعي وصف فيه الآثار التي جمعت في المتحف المصري الكبير بأنها أصنام الفراعنة التي لا يجب التباهي أو التفاخر بها، قائلًا: «انتبهوا للفتن، التي تمر بنا، فإني أخشى على قلب مسلم أن يتلوث بمحبة فرعون».
كراهية الحضارة القديمة
منذ صعود الفكر السلفي على الساحة المصرية في سبعينيات القرن الماضي، بدأ الخطاب المتشدد في مهاجمة كل ما يمتّ بصلةٍ للتراث المصري القديم، واعتبر الدعاة السلفيون أن تماثيل الفراعنة "أصنامٌ تُعبد من دون الله"، وطالب بعضهم بتغطيتها أو هدمها.
وكان أبرز تلك التصريحات ما أطلقه عبد المنعم الشحات، المتحدث باسم الدعوة السلفية، وقتها، والذي وصف الحضارة الفرعونية بأنها "عبادة أوثان"، ودعا إلى حجب التماثيل بالشمع أو وضعها في أماكن مغلقة.
الخطاب السلفي، وقتها، لم يكن دينيًا بقدر ما كان أيديولوجيًا، يستهدف طمس الذاكرة الوطنية لصالح هوية دينية ضيقة، تُقصي كل ما سبق الإسلام من وجدان المصريين.
الأهرامات في مرمى التكفير
في أعقاب ثورات الربيع العربي عام 2011، ومع اتساع نفوذ الجماعات السلفية والإخوانية، تحوّل الهجوم اللفظي إلى دعواتٍ علنية لتدمير رموز التراث، وأصدر بعض الدعاة فتاوى تدعو إلى هدم الأهرامات وأبو الهول بحجة أنها "أوثان"، مستشهدين بتجربة "طالبان" في تدمير تماثيل بوذا.
وفي عام 2012، تداولت الصحف المصرية والعربية تقارير عن مطالبة سلفيين الحكومة "بتغطية التماثيل" داخل المتاحف، معتبرين "النظر إليها حرام شرعا".
لم يتوقف الأمر عند الكلام، بل بدأت مجموعات متشددة تستغل الانفلات الأمني في تلك المرحلة للعبث بمناطق أثرية نائية، عبر الحفر والتنقيب غير الشرعي تحت شعار "تحطيم الأصنام"، بينما كان الهدف الحقيقي هو النهب المنظم.
الإرهاب من الأقصر إلى الكرنك
التهديد لم يقتصر على الكلمات، بل تجسّد في هجمات إرهابية استهدفت السياحة والآثار معًا.
في نوفمبر 1997، هزّت مجزرة الأقصر العالم حين اقتحم مسلحون من الجماعة الإسلامية معبد حتشبسوت، وقتلوا 62 سائحًا في واحدة من أبشع الجرائم التي طالت الوجه الحضاري لمصر.
تكرّر المشهد في يونيو 2015، عندما حاول انتحاري تفجير نفسه قرب معبد الكرنك بالأقصر، في عملية تبنّتها جماعات تكفيرية تتغذى على فكر السلفية الجهادية، والرسالة وقتها كانت واضحة "ضرب السياحة، وضرب رمزية الحضارة المصرية، في آنٍ واحد".
الحرب على الهوية
الهجمات المادية كانت امتدادًا طبيعيًا لفكرٍ يعتبر الفن والتاريخ والآثار "عدوًا للعقيدة"، فالخطاب السلفي – الذي تبنّته جماعة الإخوان ضمنيًا في مراحل الحكم – عمل على نزع القداسة عن التاريخ الوطني، وتصويره كمرحلة كفرٍ يجب تجاوزها، وحين تتحوّل هذه الفكرة إلى وجدان شعبي، يصبح كل معبدٍ هدفًا، وكل تمثالٍ جريمةً في نظر المتشددين، لكنّ هذا الفكر اصطدم بصلابة المصريين، الذين رأوا في الحضارة القديمة جزءًا من هويتهم الدينية والوطنية معًا، لا نقيضًا لها.
حين انتصر المصريون للتاريخ
رغم كل ذلك، لم تفلح هذه الدعوات في كسر روح المصريين، وتحرّكت الدولة والمؤسسات الثقافية والدينية معًا لمواجهة الخطاب المتشدد، فصدرت فتاوى من الأزهر تؤكد أن الحفاظ على الآثار واجبٌ وطني وديني.
كما أطلقت وزارة السياحة والآثار حملات توعوية لحماية المواقع التاريخية من العبث، وجرى تشديد العقوبات على سرقة أو تخريب الممتلكات الأثرية، أمّا المجتمع، فاستعاد بفخرٍ رموز تاريخه، ورفض كل محاولات "أسلمة" الذاكرة الوطنية.
الماضي هدفٌ للحاضر
أخطر ما في هذه الحرب أنّها لا تستهدف الأهرامات فقط، بل ذاكرة مصر ذاتها، خاصة بعد أن وصل المد التكفيري التطرفي إلى أعظم إنجاز حضاري شهد العالم خلال الأيام الماضية (افتتاح المتحف المصري الكبير)، إذ خرج علينا الداعية الإسلامي الشهير مصطفى العدوي، عبر فيديو مثير نشره على وسائل التواصل الاجتماعي وصف فيه الآثار التي جمعت في المتحف المصري الكبير بأنها أصنام الفراعنة التي لا يجب التباهي أو التفاخر بها، قائلًا: «انتبهوا للفتن، التي تمر بنا، فإني أخشى على قلب مسلم أن يتلوث بمحبة فرعون وآله».
وأضاف في مقطع فيديو مطول قائلا: «أخشى على المصريين أن يفتنوا بتمثال رمسيس، فالآن المتحف المصري الكبير يضم الأصنام والتماثيل والكنوز التي كانت عند الفراعنة وطرائق التحنيط»، بعد أيام من هجومه على المتحف المصري الكبير، ودعوته للتبرؤ من فرعون وتشبيهه التماثيل والآثار الفرعونية بالأصنام، ألقت أجهزة الأمن المصرية القبض على الداعية الإسلامي الشهير مصطفى العدوي في محافظة الدقهلية.
بعد أيام من هجومه على المتحف المصري الكبير، ودعوته للتبرؤ من فرعون وتشبيهه التماثيل والآثار الفرعونية بالأصنام، ألقت أجهزة الأمن المصرية القبض على الداعية الإسلامي الشهير مصطفى العدوي في محافظة الدقهلية.
وأعلن المحامي الحقوقي خالد المصري، عبر حسابه الشخصي بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، إخلاء سبيل الداعية السلفي مصطفى العدوي بكفالة 10 آلاف جنيه، وذلك بعد عرضه على جهات التحقيق بالمنصورة.