عام حرج بالكهرباء.. فجوة تمويلية تتسع وتباطؤ في العدادات الذكية وتحصيل الديون
يعد قطاع الكهرباء من أكثر القطاعات الحيوية في مصر، باعتباره عصب التنمية ومحرك الصناعة والاستثمار، ومع ذلك يدخل عام 2025 وسط حالة من القلق والترقب، بعد صيف هو الأصعب منذ سنوات، شهد انقطاعات متكررة للتيار بسبب ضعف الشبكات وارتفاع الأحمال إلى مستويات قياسية، في ظل تحديات تمويلية متزايدة وملفات مؤجلة للإصلاح.
2025 عام مفصلي في مسار قطاع الكهرباء
كشف مصدر مطلع بوزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، رفض ذكر اسمه، أن العام الجاري يعد عاما حرجا في مسار القطاع، ليس فقط بسبب الضغوط التمويلية وارتفاع تكلفة التشغيل، بل أيضًا نتيجة تراكم إخفاقات هيكلية في ملفات التحصيل والدعم وتحديث البنية التحتية.
وقال المصدر إن الوزارة تمكنت خلال العام الماضي من تحقيق استقرار نسبي في التغذية الكهربائية رغم زيادة الطلب، بفضل برامج رفع كفاءة المحطات وتوسيع قدرات الشبكة القومية، لكنها تواجه الآن تحديًا متصاعدًا في الحفاظ على هذا الاستقرار وسط ارتفاع أسعار الوقود وضعف التمويل.
صيف الانقطاعات.. جرس إنذار لانهيار الشبكة
شهد صيف 2024/2025 موجة غير مسبوقة من انقطاعات التيار الكهربائي على مستوى الجمهورية، وصلت في بعض المناطق إلى أكثر من 10 ساعات يوميًا، نتيجة ارتفاع درجات الحرارة ونقص إمدادات الغاز الطبيعي اللازمة لتشغيل المحطات.
وأوضح المصدر أن الانقطاعات لم تكن بسبب نقص الإنتاج الكلي، بل بسبب تهالك الشبكات والمحولات، وضعف الصيانة الدورية، وتطبيق خطط «تخفيف الأحمال» دون جدول واضح، ما أثار استياء المواطنين وقطاع الأعمال.
وأضاف أن بعض شركات التوزيع في الوجه القبلي والدلتا تعمل بأقل من نصف طاقتها الفنية نتيجة نقص الكوادر وقطع الغيار، مشيرًا إلى أن الأزمة أظهرت هشاشة البنية التحتية رغم الاستثمارات الكبيرة التي ضُخت في السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أزمة محافظة الجيزة والتى استمرت قرابة الأسبوع وانعكست على مدن المحافظة وتسببت فى انقطاع التيار الكهربائي.
اعتماد مفرط على الغاز يهدد الأمن الكهربائي
ينتج أكثر من 80% من الكهرباء في مصر باستخدام الغاز الطبيعي، ما يجعل القطاع عرضة لأي اضطراب في توريد الغاز أو ارتفاع أسعاره عالميًا، مشيرًا إلى أن نقص كميات الغاز خلال الصيف الماضي أجبر الوزارة على تقليص الأحمال اليومية في بعض المحافظات، في وقت تحولت فيه مصر من مصدر إلى مستورد مؤقت للغاز لتلبية احتياجات التشغيل.
وأضاف أن الاعتماد المفرط على الغاز دون تنويع فعلي لمصادر التوليد «يمثل خطرا هيكليا» على استدامة الخدمة، رغم التوسع المعلن في مشروعات الطاقة المتجددة.
العجز المالي
تضاعف تكلفة التشغيل، أدى إلى عجز مالي متراكم في الشركات التابعة للوزارة، وأثر على قدرتها على تنفيذ خطط الصيانة والإحلال.
وأوضح المصدر أن وزارة المالية تتحمل جانبًا من الفجوة التمويلية، لكن الدعم المخصص لم يعد كافيًا لتغطية العجز، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الغاز والدولار، مؤكدًا أن استمرار الوضع الحالي «غير قابل للاستمرار على المدى المتوسط».
مديونيات بلا حلول
قال المصدر إن الوزارة تواجه أزمة متفاقمة في تحصيل مستحقاتها لدى جهات حكومية وصناعية وتجارية، إذ تبلغ المديونيات مليارات الجنيهات دون وجود آليات صارمة لتحصيلها أو جدولتها، ما يُفاقم الأزمة التمويلية ويعرقل سداد التزامات الشركات القابضة تجاه الموردين والمقاولين.
تباطؤ مشروع العدادات الذكية وتعثر التحول الرقمي
رغم الإعلان عن خطة لتعميم العدادات الذكية منذ سنوات، إلا أن نسبة التنفيذ لم تتجاوز 15% من المستهدف حتى نهاية 2024.
وأكد المصدر أن البطء في المشروع يضعف قدرة الوزارة على ضبط الاستهلاك وتقليل الفاقد الفني والتجاري، ويؤجل التحول الرقمي لإدارة الشبكة القومية.
مشروعات الربط الكهربائي.. وعود أكثر من التنفيذ
رغم التصريحات المتكررة بشأن قرب تشغيل مشروعات الربط الكهربائي مع السعودية وجنوب أوروبا (قبرص واليونان)، إلا أن الجدول الزمني للتنفيذ شهد تأجيلات متكررة بسبب تعقيدات التمويل وتعدد الأطراف المعنية.
وأشار المصدر إلى أن المشروع الأوروبي لم يتجاوز مرحلة الدراسات الفنية حتى الآن، ما يُضعف فرص مصر في التحول إلى مركز إقليمي لتجارة الكهرباء كما كان مخططًا.
ضعف الشفافية في إدارة الأحمال
انتقد المصدر غياب الشفافية في إدارة برامج «تخفيف الأحمال»، حيث لم تصدر الوزارة جداول واضحة بالانقطاعات، مما أربك المواطنين وأضرّ بالأعمال التجارية والصناعية، مضيفا أن التواصل مع الجمهور ظل ضعيفًا، رغم تكرار الأزمات في أكثر من صيف متتالٍ، ما أضعف الثقة في أداء القطاع.
تمويل ضخم دون نتائج ملموسة
ورغم تخصيص أكثر من 130 مليار جنيه لمشروعات الكهرباء والطاقة المتجددة في موازنة 2025/2026، إلا أن التنفيذ على الأرض يواجه تباطؤً بسبب العجز في السيولة وارتفاع تكلفة استيراد المعدات، وفق تقارير حكومية.
ويرى مراقبون أن «ضخ الأموال دون إصلاح إداري وهيكلي لن يحقق طفرة في الخدمة»، خاصة مع تضخم المديونيات وغياب الرقابة الفعالة على الشركات التابعة.
الدعم والتمويل في مفترق طرق
قال المصدر إن الدعم في شكله الحالي «لم يعد قابلًا للاستمرار»، مشددًا على ضرورة تطبيق خطة تدريجية لتحرير الأسعار مع الحفاظ على العدالة الاجتماعية.
وأضاف: "التمويل غير الكافي يهدد بوقف الاستثمارات الجديدة في البنية التحتية، ولا بد من قرارات إصلاحية عاجلة لإعادة التوازن المالي والتشغيلي للقطاع."
فرص واعدة رغم التعثر
رغم الصعوبات، تراهن الوزارة على التوسع في مشروعات الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية المركزة، وبدء تشغيل وحدات جديدة في مشروع الضبعة النووي، إلى جانب حملات ترشيد استهلاك الطاقة بالتعاون مع الإعلام والمجتمع المدني لتخفيف الضغط على الشبكة القومية.
قرارات مؤجلة وثمن باهظ
يختتم المصدر حديثه بالتأكيد أن الاستمرار على النهج الحالي دون إصلاحات جذرية قد يؤدي إلى تراجع جودة الخدمة وتجميد مشروعات استراتيجية.
وأكد المصدرنحتاج إلى قرارات إصلاحية شجاعة تعيد ضبط الإيقاع المالي والتشغيلي للقطاع قبل أن يدفع المواطن والاقتصاد ثمن التأجيل أكثر مما يحتمل.