رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في صعيد مصر، وخصوصًا في القرى المحيطة بالمناطق الأثرية، ظهر ما يُسمّى «دلّال الآثار» وهو رجل يترجل ويعرف الصحراء، ينزل إلى جوف الجبل ليلاً حاملاً فانوسًا ضعيف الضوء مؤمناً بأن الرزق مدفون تحت التراب، لا يحفر بيديه ولا يملك أثرًا، لكنه يعرف كيف يصل للمقابر الآثرية.

 
يُنظر إليه أحيانًا كعالِم رغم عدم تعليمه، يفهم دلالات الرياح والغبار داخل المقابر أكثر مما يفهم حروف الكتابة ويحفظ أسماء المقابر القديمة وطرق الوصول إليها، وأحيانًا أخرى كمحتال بارع في رواية الأساطير، وإيهام الناس بقيمة الكنوز التي «تحت البيت» ويوهِم الناس بقيمة ما لم يَرَه أحد، وهو مشهد ما يزال يتكرر في مناطق كثيرة حتى اليوم.

راجت هذه المهنة، رغم قدمها، بشكل واضح في الثمانينيات والتسعينيات ومع بداية الألفية، حين تزامن الفقر مع حكايات الثراء المفاجئ، فأصبح الدلّال بوابة الأمل لدى بعض العائلات، والخطر الذي يبتلعهم لدى آخرين، فهو يقف بين الوهم والحقيقة، إن صدّقته خسرت تاريخًا، وإن كذّبته خسرت حلمًا وفي الحالتين تخرج من المشهد محمّلًا بمرارة السؤال: هل كنتَ تسعى للكنز أم كان الكنز يسعى لابتلاعك؟

تلك المهنة وتلك المهارات الخاصة توارثها الأجيال في الصعيد وجسدها الفنان عمرو يوسف في مسلسل «طايع» الذي عرض في شهر رمضان 2018 ، وما جسده كان واقعًا عاشته عائلة «عبد الرسول» في القرن التاسع عشر حين قرروا أن يكونوا دلالين للآثار، تلك المهنة التي توارثها الأجيال وصولا إلى الحفيد حسين عبد الرسول الذي ألقي الضوء عليه في احتفال المتحف المصري والذي اكتشف مقبرة توت عنخ أمون.

نرجع إلى تاريخ الجد، فبعد أن اكتشف الأخوان (محمد وأحمد عبد الرسول) خبيئة الدير البحري عام 1871، تواعدا أن يظل هذا الأمر سراً بينهما حتى لا ينكشفا، وأصبحا يترددان على الخبيئة على فترات متباعدة حتى لا ينكشف أمرهما، لدرجة أنهما لم يدخلا المكان إلا ثلاث مرات خلال عشر سنوات

وبالرغم من ذلك استطاعا من خلال تلك المرات القليلة أن يبيعا الكثير من تلك المومياوات والبرديات ومتعلقات الملوك، لهواة وتجار الآثار الأجانب، ما جعل ستر المكشوف يُعرف، وبدأت تظهر تلك الآثار في أسواق أوروبا، مما لفت أنظار عالم الآُثار «ماسبيرو»، ومع تكثيف التحريات، تبيّن أن مصدر تسريب الآثار الملكية والبرديات هو الأخوان محمد وأحمد عبد الرسول

 وفي عام 1881 تم القبض عليهما، وتولى التحقيق معهما داوود باشا، محافظ (أو مدير) قنا آنذاك، ورغم التهديد والضغط والتعذيب طوال شهرين كاملين، لم يعترفا بشيء، غير أن تدخّل عدد من كبار تجار الآثار في ذلك الوقت ـ من بينهم أغا عياد قنصل بلجيكا وروسيا ـ أدى في النهاية إلى الإفراج عنهما، ولكن القدر كان يخبّئ نهاية مختلفة للقصة؛ إذ دبّ الخلاف بين الأخوين حول تقسيم «تركة» الخبيئة

 فقرر محمد عبد الرسول الاعتراف، وقاد السلطات بنفسه إلى موقعها، كاشفًا عن أكبر خبيئة مومياوات ملكية حتى ذلك الحين، عبر ممرٍ صخري يبلغ طوله نحو 250 قدمًا، وعلى عمق 40 قدمًا تحت الأرض، ظهرت عشرات المومياوات لملوك وملكات مصر وكنوزهم الجنائزية

 وكانت كل مومياء تحمل اسم صاحبها مكتوبًا بالهيروغليفية، كأن الماضي كان ينتظر مَن يعيده إلى الضوء، وعلى كل مومياء اسم صاحبها باللغة الهيروغليفية، وقد كان من بين تلك المومياوات التي تم العثور عليها مومياوات لملوك عظام حكموا مصر مثل: «سقنن رع»، «أحمس»، «تحتمس الثالث»، «أمنحوتب الثاني»، «أمنحوتب الثالث»، «سيتي الأول»، «رمسيس الثاني»، وغيرهم، هذا فضلاً عن مومياوات لبعض ملكات وأميرات مصريات؛ وهي مومياوات معروضة بمتحف الحضارة بالفسطاط حالياً.

وتمر السنوات لنصل إلى الحفيد الطفل البطل الذي يبلغ من العمر حوالي 12 عاماً وهو حسين عبد الرسول .. كان يحمل «البلاص» (جرة الماء) للعمال في وادي الملوك بالأقصر، وسقط منه على قطعة صلبة على الأرض، وعرف أنها مقبرة أثرية ولم يطمع فيها مثلما طمع الجد في خبيئة المومياوات الملكية، ولكنه أسرع ليبلغ عالم الآثار البريطاني هاوارد كارتر (المشرف على أعمال التنقيب)، والذي كان قد أوشك على فقدان الأمل بعد سنوات من البحث

ليكتشف ما تبين لاحقًا أنه أولى درجات السلم الحجري المؤدي إلى مقبرة ملكية وذلك عام 1922، ليعلن فيما بعد عن اكتشاف أهم مقبرة تاريخية في مصر، هي توت عنخ آمون. 

وهكذا تحوّلت أسرة «عبدالرسول» من متّهمين بسرقة الآثار إلى شركاء في الكشف عنها، جيلًا بعد جيل؛ كأن الإرث نفسه انقسم بين من احتُفي به كبطل ومن لُعن الاتهام بالسرقة، وربما لم يكن الدلّال مجرمًا بقدر ما كان ابن بيئة خانتها الفرص، وربما لم تكن الأسرة لصوصًا بقدر ما كانت ضحية إغراءٍ أكبر من قدرتها على المقاومة

لكن المؤكد أن الكنوز لا تتكلم، ومن يتكلم بالنيابة عنها يملك أن يحدّد مصيرها، إمّا أن تظل إرث حضارة أو تتحوّل إلى غنيمة ظلام.. وهكذا تحوَّلت قصة الدلال في الصعيد من مصادفة تاريخية إلى مهنة منظمة لها وسطاؤها وشبكاتها خفية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء