رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الرمز عصا السالكين.. ومن ذاق عرف|ملف خاص

إيجبتكِ

"من لم يقف على إشاراتنا لم ترشده عباراتُنا"، عبارة قالها الحلاج محاولًا تبسيط حاله مع الله لمن يتابعه ويراقبه ويجتهد سالكًا نفس الطريق في عصره أو فيما تلاه، إذ رأى كثيرون - وحتى اليوم - في حاله وأحواله وأشعاره كفرًا وإلحادًا وجرأة على الله سبحانه وتعالى هو وغيره من المتصوفة والسالكين، ورغم المحاولة فشل الحلاج وخانته مفردات اللغة العربية ومات مقتولًا، مأساة الحلاج؛ جعلت من جاء بعده حريصًا وهو يعبر عن حالة الوجد والتعلق بالله وكان "الرمز" هو الحل.

استخدم رجال الله وأوليائه الرمز في أشعارهم للتعبير عن عوالمهم الخاصة، حتى اشتهر بينهم ثم انتشر، واتخذوه معيارًا أساسيًا للتعبير عن المدركات الروحية والمشاهدات.

"المرأة، والطير، والماء، والنور، والخمر، والمعراج"، كانت من أهم الرموز لدى الصوفية الذين عبروا بالشعر عن الوجع والوجد، والمرأة لديهم هي أجمل تجليّات الوجود، وهي رمز النفس الكليّة ورمز للرحم الكونية وبوساطة رمز المرأة مزج الصوفيون بين المادي والروحي.

وأمّا "الطير" فهو رمزُ بحثِ الصوفي عن المعرفة، ورمز الخلاص من غربته الطينية، وأمّا الماء بأسمائه المتعددة محيط وبحر ونهر، فهو رمزٌ لاتساع المعرفة والعلم الإلهيين.

ويقول ابن الفارض في وصف كلمة التوحيد: "صفاء ولا ماء ولطف ولا هوي ونور ولا نار ورح ولا جسم".

ويعدّ النور رمز المعرفة والخلاص والحقيقة المحمدية بينما ترمز الخمر إلى معرفة الذات الإلهية التي يسْكَرُ بها وفيها الصوفي السالك.

أمّا رمز المعراج؛ فقد استلهمه الصوفية من إسراء النبي فجرّدوه من طابع التأريخ، وقدّموه تقديماً فنيّاً جمالياً ليقوم بوظائف دينية ومعرفية وفنية جمالية، فهو معراج معنوي نفسي وروحي وعقلي، يدعو الصوفي من خلاله إلى الله سبحانه، وإلى شريعة النبي.

إذن الرمز الصوفي قد يتسع مجاله حتي يصير لكل شيء رمز، وقد يكون الشيء رمز لنقيضه، الموت رمز للحياة، إذ أن مفهوم المتصوف للموت هو أنه حياة أخرى، والفرح متضمن في الحزن، والسعادة في الشقاء، والراحة في التعب، الرمز جمال مقنع تدركه ولا تلمسه، وتتخيله ولا يسمح لك أن تحدق فيه، هو جمال تنظره وكأنك لا تنظره، وتسمعه وكأنك لا تسمعه، وتعرفه وكأنك لا تعرفه، قد خلع عليه الخفاء جلالًا فكان جميلًا جليلًا معًا، تسمعه فتتلذذ له و"يعطيك الرب سؤال قلبك"، وتترنم به، فإذا أردت أن تقبض عليه قبضت على هواء، ليس لكلماته مدلول محدود، ولا لمعانيه حدود، وإنما هو إمعان في اللانهاية وسباحة وسياحة بلا غاية.

فى ديوانه "ترجمان الأشواق"، يقول محي الدين ابن العربى موصيًا قارئيه بعدم حمل كلامه على ظاهره، إن الصوفي يري أن لكل ظاهر باطن، وفي كل شيء إشارة، وفوق السطح عمقًا، ووراء القناع جمالًا فاتنًا، ويتيه عجبًا على الناس، إذ فهم ولم يفهموا، وغنَّى لهم ولم يطربوا، ويرى أن العقل حجاب يحجب النفس عن إدارك الجمال، وأن كشف هذا القناع إنما هو بالذوق والإلهام، لا بالمنطق والقضايا والأحكام.

وبهذه النظرة نظر الصوفي إلى العالم، أطلق علي الحقيقة ليلى وسعدى، وأعجب بالخمر وتغنى بها، ورأى في الخمر معان ليست في غيرها، فهي رمز إلى رقي النفس وتساميها، فالنفس ترقى بالفناء في الحقيقة كما تنشأ الخمر بفناء العنب، فيكون شيء من شيء، ويختلف الشيئان والأصل واحد، وإذا خرجت الخمر من العنب بقيت إلى الأبد وصلحت بمرور الزمان، على حين أن العنب نفسه لا يصلح للبقاء، فكذلك النفس إذا تجردت من مادتها الفاسدة ونزعت إلى الكمال صلحت للبقاء، ولم يعتريها فناء، وكلما مرت عليها السنين والأعوام زادت نقاءً ورقت صفاءً.

يقول عمر ابن الفارض 
شَربنا عَلى ذكر الحبيبِ مُدامةً
سَكِرنا بها من قبل أن يُخلَقَ الكَرْمُ
‎لَها البَدرُ كأسٌ، وهي شمسٌ، يُديرها
هلالٌ، وكم يبدو إذا مُزِجتْ نَجْمُ
‎ولولا شَذاها ما اهتديتُ لِحانِها،
ولولا سناها ما تصوّرها الوَهْمُ

الخمر هنا رمز للمحبّة الإلهيّة واقتضى ذلك أن تنحلّ المفردات الأخرى المرتبطة بهذه الخمرة، كالكرم، والبدر، والهلال، والشمس، والنّجم، والشّذا، وألحان والدّنان، فالبدر من حيث إنّه كأس هذه المدامة إنّما هو رمز الإنسان الكامل بوصفه أفقًا لتجلّي المحبّة ومظهرًا للمقام الأعلى.

وتحدّث ابن الفارض عن عرف المُدامة الشّذي الّذي يُفعم المشامَ، ووصف ما ينبعث منها سنا رائق، وضوء شفّاف، مستعيراً ذلك كلّه من أساليب الخمريين، فشذا هذه المدامة رمزٌ على عالم الروح الأعظم، وسناها تلويح إلى نورانية العقل الإنساني الذي لولاه لما أثبتَ الوهم لهذه المدامة الرمزية صورة ذهنية لأنّها لا صورة لها في نفسها.

هكذا ولَّد الصوفية من كل شيء أشياء، فكل آية في القرآن رمز، وكل حديث له تأويل، فليسوا يفهمون من الآيات ما يفهم الناس، ولا من الأحاديث ما يفهم الناس.

الصوفية مثلًا فهموا من حادثة شق صدر النبي الكريم عكس ما يقول علماء السيرة الذين يرون أن النبي شُقَّ قلبه وهو مع رابّته ومرضعته في بني سعد، وأنه جيء بطست من ذهب فيه ثلج فغسل به قلبه، إلى آخر ما رووا؛ بينما يفهم الصوفية هذا على أنه رمز؛ فقلب الإنسان قد ران عليه الخوف والشهوة والطمع وغير ذلك من السيئات، فأراد الله أن يذهب عنه الرجس ويطهره تطهيرًا، فأبعد عنه ما غشي قلوب الناس، وفتح قلبه ونقاه من كل سوء حتى يستعد للنبوة، فرويت هذه القصة وفهمها العامة حقيقة، وفهمها الخاصة رمزًا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء