النجاح الباهر لمصر والمصريين بالإنجاز الكبير المتمثل بافتتاح المتحف المصري الكبير قوبل بمتابعة واسعة في لبنان بالتوازي مع اعتراف بضخامة الإنجاز لبلد يعتبر من أكبر خزائن العالم للآثار، لكن هذا الإنجاز قابله شعور بالإحباط (على الأقل لدى شريحة كبيرة) حول أوضاع الدولة اللبنانية عمومًا وشبه الضياع الذي تعاني منه قطاعات السياحة والمتاحف.
خاصة أن لبنان يعتبر من أهم الدول الشرق أوسطية التي لا يوجد بقعة واحدة فيها إلا وفي باطنها أو عليها آثار من مختلف الحضارات التي مرت على هذا البلد عبر التاريخ.
فما تمر به مصر حاليًا من نهضة عظيمة على جميع المستويات الاقتصادية والتنموية والبنى التحتية والعسكرية والدبلوماسية لا بد أن يذكر في التاريخ باعتباره علامة فارقة ودرس أساسي يدرس في علوم بناء الأوطان، فمن كان يظن أن الدولة التي كانت على شفير الانهيار خلال تسلط الجماعة الإرهابية.
قامت ونهضت وأعادت الاعتبار لتاريخها وقيمتها، وهو أمر تفتقده الكثير من الدول العربية وأولها لبنان الذي يعاني من الانهيار رغم إصرار رئيسي الجمهورية والحكومة للنهوض من جديد، لكن العراقيل السياسية والحسابات الضيقة هي المانع الأساسي.
ما ميز مصر خلال السنوات العشر الماضية إرادة السلطة على التغيير بأقصى سرعة، ومن عاش وعايش مصر خلال هذه الفترة لا بد أن شاهدا على السرعة الرهيبة بتبدل الأمور، طرقات وجسور جديدة بين المحافظات والمناطق وتامين الكهرباء بعد التقنين لساعات طويلة بالإضافة إلى تنظيم منظومة الدعم والتي بالمناسبة تعتبر الفريدة بين دول المنطقة.
والأهم تعزيز القدرات العسكرية وإعادة الاعتبار للسيف والدرع المصري وأخيرًا وليس آخرًا إعادة الاعتبار للدور السياسي المصري في المنطقة، والذي تأكد بنزع فتيل غزة أولًا ولبنان ثانيًا، بالإضافة إلى الملفات الأخرى.
ربما يقول البعض إن سر نجاح مصر يكمن في مشاركة جيشها لكل مؤسسات الدولة بمعركة البناء والتنمية، والرد الصريح لما لا؟، فهل يوجد جهة حريصة على الدولة والمواطن غير الجيش؟
تصوروا على سبيل المثال لو أن الجيش اللبناني فعل هذا لاستقرت الأوضاع الداخلية بدلًا من حالة الانفلات السياسي الحاصل بسبب السياسيين والتنظيمات السياسية التابعة للخارج والتي أغرقت لبنان واللبنانيين ولا تزال بمستنقعات لا يعلم إلا رب العباد كيفية الخروج منها.
واللافت أن جميع الدول الإقليمية والغربية تطالب السلطات في لبنان بدعم الجيش اللبناني وحصر مسالة السلاح وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية وتدعم في الوقت نفسه تنظيمات وأحزاب تقوض بطريقة أو بأخرى، مما يعيق الحلول ويؤخر معها الإصلاحات المطلوبة.
والتي تعتبر شرطًا أساسيًا لدعم الخزينة اللبنانية، بينما على العكس فمصر تعتبر من الدول القليلة بل النادرة التي تستطيع التواصل مع جميع الأطراف اللبنانية دون أي استثناء، وتعمل بشكل جدي على تذليل أي عقوبات والسير بالحلول إلى مطافها الأخير.
فبعد هذا الاستعراض الموجز للتطورات المصرية لا بد أن نقول إن المتحف المصري الكبير ليس مقتصرًا على البناء الذي يطل على أهرامات الجيزة، بل أن المتحف الحقيقي هو مصر نفسها وأهل مصر أنفسهم.
بسبب قدرة النهوض من تحت ركام الجماعات الإرهابية التي لو بقيت لكانت أعادت مصر عقود بل قرون إلى الوراء، كطائر الفينيق الخاص بالأساطير الفينيقية الذي قام من تحت الرماد ليحلق من جديد، ويوصل الحرف الأبجدي والحضارة إلى العالم.