رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت
مى عجلان
مى عجلان

أطلقت مصر في سبتمبر 2021 أول استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان كخارطة طريق شاملة لتعزيز الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بهدف تحقيق المساواة وتكافؤ الفرص دون تمييز.

جاءت هذه الخطوة تعبيرًا عن إرادة سياسية واضحة لدعم كرامة الإنسان، وكان تمكين المرأة محورًا رئيسيًا فيها. ومع اقتراب نهاية الإطار الزمني للاستراتيجية الأولى (2021–2026)، وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي بالبدء في إعداد نسخة جديدة لعام 2026 بالتعاون مع مختلف الجهات الوطنية والمجتمع المدني، من أجل تحديث الأولويات والبناء على ما تحقق، وترسيخ مكانة المرأة في قلب جهود التنمية وحقوق الإنسان في الجمهورية الجديدة.

تضمّنت الاستراتيجية الأولى محورًا خاصًا بحقوق المرأة، التزمت فيه الدولة بسبعة وعود رئيسية شملت مواجهة الموروثات الثقافية السلبية، وتطبيق التخطيط القائم على النوع الاجتماعي، وتحسين جمع البيانات المصنفة حسب الجنس، وتعزيز التمكين السياسي والاقتصادي والاجتماعي، إضافة إلى حماية المرأة من العنف. وقد شهدت السنوات الأربع الماضية خطوات ملموسة في هذا المجال.

وصلت نسبة تمثيل المرأة في مجلس النواب إلى 27٪، كما تم تعيين 48 قاضية بمجلس الدولة لأول مرة عام 2022، وبلغت نسبة السيدات في الحكومة نحو 18٪ عام 2023، ما يعكس إرادة حقيقية لتمكين المرأة في مواقع صنع القرار، كما توسعت الدولة في برامج الحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي.

فرصد نحو 19 مليار جنيه لدعم المرأة، وأُطلقت مبادرات للشمول المالي وريادة الأعمال وتمويل المشروعات الصغيرة، إلى جانب حملات توعية مجتمعية ومدونة سلوك إعلامية لتحسين صورة المرأة في الإعلام. وعلى الصعيد التشريعي، تم تغليظ عقوبات التحرش ووغيرها من جرائم العنف، وإنشاء وحدات لحماية المرأة من العنف في الوزارات والجامعات.

ورغم هذه المكتسبات، لا تزال المرأة المصرية تواجه تحديات هيكلية وثقافية واقتصادية تحد من تمكينها الكامل. فعلى المستوى السياسي، لم تُجرَ بعد انتخابات المجالس المحلية رغم النص الدستوري على تخصيص 25% من مقاعدها للنساء، كما لم تُنشأ مفوضية منع التمييز المنصوص عليها في دستور 2014، وهو ما يحد من المشاركة القاعدية للنساء في صنع القرار المحلي.

واقتصاديًا، تعمل غالبية النساء في القطاع غير الرسمي بلا حماية اجتماعية أو تأمينات، كما تفتقر بيئة العمل إلى المرونة اللازمة لتلبية احتياجات الأمهات العاملات. وعلى الرغم من وجود قوانين تضمن حقوق العاملات، فإن ضعف الرقابة أدى إلى انتهاكات متكررة، ما يستدعي تفعيل آليات التفتيش والعقوبات لضمان التنفيذ الفعلي.

أما العنف ضد المرأة فلا يزال ظاهرة مقلقة رغم تغليظ العقوبات القانونية. فالعنف الأسري، وجرائم القتل بدافع النوع، كلها مظاهر تعكس أن العقوبات وحدها لا تكفي، وأن المطلوب هو تغيير ثقافي وتوعوي عميق. كما تستمر بعض الممارسات التقليدية مثل الختان وزواج القاصرات، خاصة في المناطق الريفية.

ما يؤكد أهمية القوانين الرادعة وحملات التوعية المجتمعية. وتواجه المرأة الريفية تحديات مركبة نتيجة تداخل الفقر وضعف الخدمات مع العادات المحافظة، إذ رغم مساهمتها الكبيرة في النشاط الزراعي لا تمتلك سوى 5% من الأراضي الزراعية، وتظل الأمية بين النساء في الريف مرتفعة مقارنة بالحضر، مما يحد من فرص التمكين الحقيقي.

إلى جانب ذلك، برزت الفجوة الرقمية بين الجنسين كأحد التحديات الجديدة، إذ لا تمثل النساء سوى 38.6% من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي رغم أنهن نصف عدد السكان، وتواجه الكثير منهن صعوبات في الوصول إلى الإنترنت أو امتلاك الأجهزة الذكية، خاصة في الريف، فضلاً عن المخاطر المرتبطة بالابتزاز الإلكتروني. وعلى الرغم من وجود مبادرات مختلفة لتدريب النساء على المهارات الرقمية وريادة الأعمال، إلا أن سد الفجوة الرقمية يتطلب جهودًا أوسع تشمل التعليم المبكر والتوعية بالأمن السيبراني.

من هنا، تبرز الحاجة إلى أن تأتي الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان لعام 2026 برؤية جديدة أكثر شمولًا وجرأة، تعيد صياغة تمكين المرأة ضمن نهج متكامل يدمج النوع الاجتماعي في جميع المحاور والسياسات. فتمكين المرأة لا يجب أن يبقى محورًا منفصلًا، بل يجب أن يكون مبدأ حاكمًا في جميع مجالات العمل الحكومي. كما ينبغي تعزيز مشاركة النساء في مواقع القيادة وصنع القرار من خلال الإسراع في إجراء انتخابات المجالس المحلية، وإنشاء مفوضية منع التمييز، ووضع نسب مستهدفة لزيادة تمثيل النساء في المناصب العليا والهيئات القضائية والدبلوماسية.

اقتصاديًا، يتطلب الأمر توفير بيئة عمل صديقة للمرأة عبر إنشاء الحضانات، وتطبيق سياسات العمل المرن، وإنفاذ القوانين العمالية المنصفة، مع تسهيل التمويل للمشروعات الصغيرة المملوكة للنساء، خاصة في الريف، وتدريبهن على الزراعة الحديثة والتسويق. كما يُعد التمكين الرقمي ضرورة أساسية في ظل التحول التكنولوجي، من خلال توسيع برامج التدريب الرقمي، وتوفير إنترنت بأسعار ميسّرة، وإنشاء وحدات شرطية متخصصة لمواجهة الجرائم الإلكترونية ضد النساء.

كذلك، من المهم ربط الاستراتيجية الجديدة بأجندة المرأة والسلام والأمن والقرار الأممي 1325 بما يعزز مشاركة المرأة في جهود حفظ السلام والأمن الإقليمي، وزيادة تمثيلها في البعثات الدبلوماسية، وربط برامج التمكين الاقتصادي والاجتماعي بجهود الوقاية من النزاعات والتطرف. ولا يكتمل هذا الإطار دون وجود آليات متابعة ومساءلة واضحة، تشمل مؤشرات أداء سنوية وتقييمات دورية تنشر بشفافية بمشاركة المجتمع المدني والمجلس القومي للمرأة لضمان التنفيذ الفعلي.

إن جعل المرأة في صميم التنمية ليس شعارًا، بل التزام وطني نحو العدالة والمساواة. ومع اقتراب إعداد النسخة الجديدة من الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان لعام 2026، تمتلك مصر فرصة تاريخية لترسيخ ما تحقق والبناء عليه برؤية أكثر عمقًا واستدامة. فالمرأة المصرية كانت وستظل شريكًا أصيلًا في مسيرة الوطن، وتمكينها الحقيقي هو ضمانة لاستمرار نهضة مصر في جمهوريتها الجديدة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء