حصار الوقود في مالي .. سلاح جديد يهدد السلطة ويقوّض استقرار الدولة
تواجه العاصمة المالية باماكو أسوأ أزمة منذ سنوات، بعد أن تسبب حصار الوقود الذي يفرضه مسلحون مرتبطون بتنظيم القاعدة منذ أكثر من شهرين في شلل شبه تام للحياة اليومية، ما وضع الحكومة العسكرية أمام اختبار هو الأخطر منذ توليها الحكم عام 2021.
محاولة أوسع من جانب المتشددين لبسط نفوذهم
فقد أدى نقص الوقود إلى توقف المواصلات العامة وشلل القطاعات الاقتصادية والتعليمية، فيما انقطعت الكهرباء عن مناطق واسعة بسبب عجز محطات التوليد المعتمدة على الديزل. ويخشى مراقبون من أن تكون هذه الأزمة مقدمة لمحاولة أوسع من جانب المتشددين لبسط نفوذهم على البلاد، وفقًا لوكالة "رويترز".
ويرى خبراء أمنيون أن الجماعة المسلحة، رغم افتقارها حاليًا إلى القدرة العسكرية لاقتحام العاصمة التي يقطنها أكثر من أربعة ملايين نسمة، تنتهج استراتيجية "الخنق البطيء" لإضعاف سلطة المجلس العسكري. فهي لا تسعى إلى السيطرة المباشرة، بقدر ما تعمل على إنهاك الحكومة وخلق حالة من السخط الشعبي قد تمهد لانقلاب جديد.
دفع البلاد نحو انقلاب ثالث
ونقلت وكالة "رويترز" عن ستة محللين ودبلوماسيين قولهم إن هدف الجماعة الأساسي هو زعزعة استقرار النظام الحاكم ودفع البلاد نحو انقلاب ثالث منذ عام 2020، وهو ما قد يتيح لها مساحة أكبر للتحرك وجمع الأسلحة والموارد المالية.
أما على المدى البعيد، فتسعى "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" إلى جر الحكومة الحالية – أو أي سلطة تليها – إلى طاولة المفاوضات في محاولة لانتزاع اعتراف سياسي بها، وهو ما اعتبرته شركة "كونترول ريسكس" في تقرير حديث "نقطة تحول خطيرة" في المشهد المالي.
انهيار سياسي شامل
وجاء في المذكرة الصادرة عن الشركة أن "الضغوط غير المسبوقة التي تمارسها الجماعة على الحكومة قد تقود البلاد إلى انهيار سياسي شامل، سواء من خلال انقلاب عسكري أو أزمة حكم عميقة خلال الأسابيع المقبلة".
وكانت الجماعة قد بررت حصارها في بيان صدر مطلع سبتمبر الماضي بأنه موجه ضد "اللصوص الذين يتقلدون السلطة" والذين تتهمهم باضطهاد الشعب المالي، لا سيما في المناطق الريفية.
الرضوخ لضغوط تفاوضية
ورغم خطورة الموقف، لم يصدر حتى الآن تعليق رسمي من وزارة الاتصالات في باماكو، كما لم يستجب أي من المقربين من الجماعة لطلبات التعليق بشأن أهداف الحصار أو نواياها المستقبلية.
وبينما تزداد معاناة السكان يوماً بعد يوم في ظل أزمة وقود خانقة تهدد الأمن المعيشي، تبدو الحكومة المالية أمام خيارين أحلاهما مرّ: مواجهة تصعيد أمني قد يجر البلاد إلى الفوضى، أو الرضوخ لضغوط تفاوضية تعني عملياً منح المتشددين اعترافاً لم يسبق له مثيل.