اللامركزية تخيف الحكومة.. نقل بعض اختصاصات السلطة التنفيذية إلى الوحدات المحلية
تعد اللامركزية من القضايا الحيوية في مسار الإصلاح الإداري في مصر إذ تمثل ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المتوازنة بين المحافظات وتعزيز كفاءة الخدمات العامة فمع اتساع الدولة وتزايد احتياجات المواطنين باتت الحاجة ملحة إلى نظام إداري يسمح بتوزيع الصلاحيات والمسؤوليات بحيث لا تتركز السلطة التنفيذية في العاصمة وحدها بل تمتد إلى مختلف الأقاليم
يقصد باللامركزية نقل بعض اختصاصات السلطة التنفيذية من الحكومة المركزية إلى الوحدات المحلية كالمحافظات والمراكز والقرى مع منحها صلاحيات أكبر في إدارة مواردها وتنفيذ خططها التنموية ويستند هذا المفهوم إلى المادة 176 من الدستور المصري التي تنص على أن الدولة تكفل دعم اللا مركزية الإدارية والمالية والاقتصادية وتمكن وحدات الإدارة المحلية من توفير المرافق والخدمات العامة بما يتناسب مع احتياجات المواطنين
وتسعى اللامركزية إلى تمكين المحافظات من اتخاذ قراراتها بناء على واقعها المحلي، بدلا من انتظار التوجيه من الوزارات في القاهرة وهو ما يسهم في تسريع وتيرة التنمية وتحسين جودة الخدمات.
بدأت مصر في طرح فكرة اللامركزية منذ عقود لكنها اكتسبت زخما خاصة بعد ثورة 25 يناير 2011 التي رفعت شعار العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين المحافظات وفي عام 2014 جاء الدستور الجديد ليؤكد الالتزام باللا مركزية كنهج إداري واقتصادي وألزم الدولة بتوفير الأدوات التشريعية والمالية لتحقيقها.
وفي السنوات اللاحقة أعيد تنظيم قانون الإدارة المحلية ليواكب التحول نحو اللامركزية من خلال تعزيز دور المجالس المحلية المنتخبة ومنح المحافظين سلطات أوسع في إدارة شؤون محافظاتهم إلا أن التنفيذ الفعلي لا يزال قيد التنفيذ.
قانون الإدارة المحلية، يرتبط بتفعيل اللامركزية، وتمكين المجالس المحلية في الرقابة والتنمية والتخطيط، وتكمن أهميته في مكافحة الفساد المحلي، تسريع تنفيذ خطط التنمية في المحافظات، ونقل الصلاحيات من المركز للمحليات، أخذ مشروع القانون مراحل عديدة بدأت بنقاشات وصياغات داخل البرلمان منذ 2018 وحتى 2016، ثم طرح المسودة في 2019 دوت تصويت نهائي، ومن 2020 حتى 2022 خضع لتعديلات فنية وربط بالرؤية التنموية، ثم انتقل لمرحلة المراجعات الحكومية من 2023 وحتى 2024، وإلى الآن في انتظار المواءمة النهائية بين الحكومة ومجلس النواب.
تكتسب اللامركزية في مصر أهمية خاصة لعدة أسباب أبرزها تحسين كفاءة الإدارة الحكومية من خلال تقليل البيروقراطية وتسريع اتخاذ القرار في المشروعات الخدمية والتنموية وتحقيق العدالة المكانية عبر توزيع متوازن للموارد والاستثمارات بين المحافظات، بما يحد من الفوارق التنموية بين الصعيد والدلتا ورفع مستوى المشاركة الشعبية في صنع القرار المحلي من خلال المجالس المنتخبة وتعزيز الرقابة المحلية على أداء الأجهزة التنفيذية والخدمات العامة
وأكد عمرو هاشم ربيع، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والسياسية، على أن نص الدستور على مبدأ اللامركزية هو "السبب في تشكك الحكومة وتخوفها" من إنجاز القانون.
أشار “ربيع”، إلى أن "عدم الانتهاء من هذه القوانين خرق واضح للدستور"، لافتًا إلى أن تبرير هذا التأخير بكونها "مواعيد تنظيمية" هو "غير سليم"، مؤكدًا أن ما يحدث هو بمثابة "غلق للمجال العام"، مستشهدًا أيضًا بقانون عدم ندب القضاة الذي "لم يتم النظر فيه حتى الآن".
وفي نفس السياق، أوضح مجدي حمدان، القيادي في حزب المحافظين، أن أسباب التعطيل تتجاوز مسألة “ازدحام الأجندة التشريعية”، مشيرًا إلى أن هناك غياب إرادة سياسية واضحة لإقرار هذه القوانين، لأنها ببساطة تعيد توزيع السلطة وتوسع من مساحة رقابة المجتمع.
وأضاف “حمدان”، أن الدستور في المواد 180 و181 و182 ألزم بانتخابات للمحليات ومنحها صلاحيات واسعة في الرقابة والتنفيذ والموارد، مشيرًا إلى أن إقرار هذا القانون يعني دخول 52 ألف عضو منتخب إلى المشهد العام، وهو ما يعيد التوازن بين المركزية المفرطة والرقابة الشعبية، ولهذا تم تأجيله؛ لأنه يفتح بابًا لمشاركة أوسع غير مرغوب فيها.
المركزية قد تكون نجحت في إدارة الدولة لفترة زمنية مضت، لكنها لم تعد قادرة وحدها على مواكبة احتياجات مجتمع يزيد تعداده على مئة مليون مواطن، ومن ثم تبقى اللامركزية مفتاحا رئيسيا للتنمية المستدامة في مصر وطريقا لتمكين المحافظات من أن تكون شريكا حقيقيا في الجمهورية الجديدة.