رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«إيجبتك» يقتحم العزلة الاختيارية للفنان التشكيلي صلاح عناني: الكبار رحلوا والمثقفون الآن دون موهبة |حوار

صلاح عناني ومحررة
صلاح عناني ومحررة «إيجبتك» اعتماد عبده

 

>>| لم أختلف مع فاروق حسني.. الموهبة فقط أشعلت النار

>>| التغيير فعل جماعي ولا نهضة ثقافية بلا جماعة تؤمن به وتعمل من أجله

>>|كنت أوزع لوحاتي في معرض الكتاب خلسة وكأنها مواد ممنوعة 

>>|حولت قصر الغوري من الخراب إلى الحياة.. ودفعت ثمن جرأتي

>>|رفضت المناصب لأنني أخشى أن تُنهكني السلطة وتُفسد نقاء الفن

>> اخترت العزلة لأن الزيف يرهق الروح.. والهدوء يمنحني صفاء الرؤية

>>|يوسف إدريس كان أحق بنوبل من محفوظ.. وإبراهيم عبد المجيد ليس روائيًا عظيمًا

>>أصعب ما يواجه الفنان أن يعيش في مجتمع لا يحترمه

>>| لا أطيق الجلوس مع من يفتقرون للوعي والموهبة

>>|لا أصدقاء من الجيل الحالي.. والإبداع بلا موقف لا يساوي شيئًا

 

 

في مرسمٍ مفعم برائحة الألوان وهدوء الزوايا، يجلس الفنان صلاح عناني متأملًا وجوهًا رسمها قبل عقود، كأنها تروي سيرة وطنٍ في لوحة، فالرجل لم يعد يعنيه ضجيج الوسط الفني، ولا أضواء المناصب التي رفضها بإرادته، لكن اختار العزلة وفضلها عن زيفٍ أنهك روحه، فاستبدل بالصخب السكينة، وبالاختلاط التأمل.

في حوار له مع «إيجبتك» بعد سنوات من العزلة الاختيارية، يتحدث «عناني» بصراحة كبيرة، عن خلافه الحقيقي مع فاروق حسني، وعن تلك السنوات التي حوّل فيها قصر الغوري من الخراب إلى الحياة، ثم دفع ثمن جرأته حين وزّع لوحاته في معرض الكتاب خلسة «وكأنها مواد ممنوعة».

 

وحين يمتد الحديث إلى الأدب، لا يُجامل أحدًا، يرى أن المشهد فقد روحه برحيل الكبار، ويتحدث بحنينٍ ومرارة عن يوسف إدريس الذي يعتبره أحقَّ من نجيب محفوظ بجائزة نوبل في الآداب، أما الروائي إبراهيم عبد المجيد، فيراه بعيدًا عن مصاف الروائيين العظام، لأن الإبداع في نظره ليس زخرفة لغوية ولا شهرة إعلامية، بل موقف وشجاعة ووعي.

صلاح عناني، يرى أن التغيير فعل جماعي لا ينجح إلا بإرادة ووعي، وأن النهضة الثقافية لن تقوم بلا جماعة تؤمن بها وتدفع ثمنها، أما هو، فآثر أن يعيش بعيدًا عن دوائر المجاملة، مؤمنًا بأن الفنان الذي لا يملك موقفًا ولا رؤية، لا يملك فنًا.. وإلى نص الحوار:

 

*بداية أين أنت.. ولماذا نشعر أنك ابتعدت عن الوسط الثقافي والفني؟ هل هو قرار متعمد؟

- أشعر أن هذه الحياة الهادئة هي الأفضل لي. البُعد عن كل ما هو زائف يمنحني صفاءً داخليًا وثِقَلًا في الرؤية. وأفضل أن أعيش في هدوءٍ بين ألواني ولوحاتي، ومع دائرة صغيرة من الأصدقاء الحقيقيين، فهذا يمنحني راحة روحية لا تُقدَّر بثمن. ولم أجد في أي من المناصب التي عُرضت عليَّ ما يُغريني، فحالها يحتاج إلى تغيير، والتغيير نفسه يحتاج إلى آليات، وأنا لا أضمن توافرها. لذلك قررتُ الابتعاد منذ زمن، ولم أندم على ذلك أبدًا.

* هل تعتقد أن رؤيتك هذه كانت بداية خلافك مع وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني؟

-مطلقًا.. الخلاف كان بسبب الغيرة الفنية، فالفرق في الموهبة قادر على أن يجعل أقرب الناس إليك يكرهك ويُبغضك، خاصة إذا كان الشخص المكروه صاحب موهبة خاصة.

لا أحد ينكر أن ما قمتُ به في هذا القرن لم يفعله أحد من قبل؛ ففكرة أن يتبنى فنانُ الشعبَ المصريَّ البسيطَ كموضوع فني ويجعله البطل في لوحاته، ويعبّر عن مظاهر حياته اليومية وخصائصه لتصبح هي المشاهد الرئيسية فهذا لم يحدث من قبل، دون غرور.

 

*هل لديك دائرة من الفنانين أو الأصدقاء يمكن أن نقول إنها دائرتك المفضلة؟

-ليس لدي أصدقاء مثقفين أو فنانين مقرّبين من الجيل الحالي، لأنني لا أستطيع الجلوس مع محدودي الوعي والموهبة، ولا أستطيع التعامل مع تلك الفئة؛ لكن من الجيل الماضي بالطبع كان لدي الكثير؛ أمثال أمل دنقل، يحيى الطاهر عبد الله، نجيب سرور، يوسف إدريس وغيرهم. فالكاتب أو الأديب الذي لا يملك رأيًا أو ثقافة تؤهله أن يكون صاحب موقف وله مبادئه الخاصة، لا أعتبره مبدعًا حقيقيًا. فمثل هؤلاء، ماذا تتوقعين أن يكون شكل الحديث معهم.

 

*إذًا، هل لنا أن نقول إن صلاح عناني آثر الوحدة ويعيش الآن بمفرده؟

-أصعب أشكال الوحدة هي أن تجلس مع مجتمع لا تشعر معه بالاحترام. فأيهما أصعب: الوحدة أم الاغتراب؟

أرى أن الاغتراب أصعب بكثير، لأنه يأتي من الوحدة التي تقترب من إحساس الموت، لا أجد أصدقاء "هروح أقابل مين؟ إبراهيم عبد المجيد مثلا، أنا أصلا لا أعتبره روائيا جيدا"، الكبار رحلوا ومنهم من مات كمدا وقهرا مثل يوسف إدريس، فالرجل كان أجدر بالحصول على جائزة نوبل في الآداب، ولو قارنا أعماله بما قدم نجيب محفوظ نجد أن يوسف إدريس كان جديرا بها.

 

 

* نعلم أنك ترأست قصر الغوري لفترة ليست قصيرة، وقدمت فيه عملاً جيدًا شهد به الجميع. حدثنا عن تلك الفترة؟

- نعم، حدث ذلك سنة 1987، وكان المكان وقتها في غاية السوء، واستمر عملي هناك لمدة 14 عامًا ظللت خلالها أرمم وأعيد صياغة كل ما في المكان. كذلك حرصت على ترميم المسرح، الذي لا أعرف كيف أصبح حاله اليوم.

وكنت في تلك الفترة أعمل في مجلة صباح الخير، وجاءتني فكرة نفذتها بالفعل بمناسبة شهر رمضان، وهي لوحة حية تمر في القاهرة الفاطمية تتقدمها المولوية وطبقة عمال المنتجات الشعبية، وكانت تلك اللوحة بعنوان «أصل الأنواع».

قمت بطباعتها على بوسترات ونسختها على نفقتي الخاصة، وانتهزت فرصة وجود مؤتمر عن فلسطين بإحدى الفنادق الكبرى، وصورت الغرب على أنه مصدر الشر، فطرحت من خلالها فكرة النشوء والارتقاء، وأظهرت الشرق في اللوحة كجانب طيب ممثل في مبنى يجسد الكنيسة والمسجد، وظهرت الشخصيات فيه كأناس مسالمين تمامًا. كان ذلك عام 1999، ووزعتها في شكل بوسترات كما قلت في معرض الكتاب خلسة، وكأني كنت أوزع مواد مخدرة! بعدها تم إلغاء انتدابي.

*هل يمكن أن يكون ذلك سبب ابتعادك عن تولي أي منصب أو ترشحك لأماكن طُلبت لها بالاسم؟

-نعم، لأنني أرى أنها ستنهكني وربما تلوثني. وإذا أردنا التغيير، فهناك شروط ومعايير، أو على الأقل الحد الأدنى منها، فلا يستطيع أحد بمفرده أن يغيّر مكانًا تولّى قيادته وحده.

*برأيك ما المعايير المطلوبة للتغيير في أي مؤسسة ثقافية؟

-أن تكون هناك بنية تحث على التغيير، ثم وجود جماعة من البشر تريد أن تغيّر وتذاكر وتجتهد لتنفذ بهذا التغيير. أن تدرس المجتمع وآلياته، وتملك تصورًا وخطة للعمل الجاد.

فهناك جماعات في كل وزارة تكره بشدة كل ما هو جاد ومحترم، وهم أول من يواجه أي قيادة، حتى ولو كانت على مستوى وزير، ففي أي مناخ يمكن أن يتحمّل فنان حقيقي مثل هذا؟!

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء