رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

"علي الأعتاب".. المجاذيب بين الوجد الصوفي واتهامات الجنون

المجاذيب والدراويش
المجاذيب والدراويش

في شوارع الموالد، وبين خيام الذكر، وفي الساحات التي تعلو فيها أصوات الدفوف والابتهالات، يلوح مشهد مألوف للمصريين رجال بثياب بيضاء أو ممزقة، عيونهم شاخصة، يتحركون في دوائر لا تنتهي، يرقصون على إيقاع "الله.. حي"، تتمايل أجسادهم وتغيب عقولهم في عالم من النشوة الروحية، هؤلاء هم الدراويش والمجاذيب، الذين صاروا جزءًا لا يتجزأ من المشهد الصوفي في مصر.

الدراويش 

يرى المتصوفة أن حالة الوجد والهيام التي يدخلها الدراويش ليست جنونًا، بل ذوبانًا في محبة الله، وتحررًا من قيود الجسد والدنيا، فالرقص الصوفي عندهم طريق للوصول إلى الصفاء، وسماع الإنشاد والدفوف وسيلة لتطهير القلب من شوائب الدنيا، كما يقول أحد مشايخ الطرق "من لم يذق طعم الذكر في الوجد، لم يعرف معنى الحب الإلهي".

الحلاج وابن عربي والرومي رموزًا للفكر الصوفي العميق

لكن في المقابل، يرى فريق من العلماء أن ما يفعله بعض الدراويش والمجاذيب انحراف عن جوهر التصوف الذي قام على الزهد والعبادة والتأمل، لا على الرقص والتجلي الحسي، فبينما كان الحلاج وابن عربي وجلال الدين الرومي رموزًا للفكر الصوفي العميق، تحولت الممارسات الشعبية في بعض الموالد إلى خليط من العادات والمظاهر الخارجة عن العقل.

المجاذيب

أما "المجاذيب"، فهم أولئك الذين يُنظر إليهم في الثقافة الشعبية باعتبارهم أهل الله، أي أشخاص أصابتهم الجَذبة الإلهية، ففقدوا توازنهم الظاهري لكن قلوبهم متصلة بالسماء، تراهم يهيمون في الطرقات، يتحدثون بما لا يُفهم، يباركهم الناس، ويعتقد البعض أن كلماتهم تحمل إشارات غيبية أو نبوءات.

تداخل الجنون بالحكمة

يمتزج المجذوب بالولي، ويتداخل الجنون بالحكمة، فكثير من المصريين يرون في هؤلاء الدراويش والمجاذيب وجهًا آخر للتصوف الشعبي، الذي لا يقف عند حدود الفكر، بل يعيش في الشارع، ويعبر عن الروح التي تبحث عن الطمأنينة في عالم يموج بالاضطراب.

ويؤكد علماء الاجتماع، أن هذه الظواهر تحمل بعدًا نفسيًا واجتماعيًا وثقافيًا، فالمجذوب ليس بالضرورة مريضًا عقليًا، بل قد يكون إنسانًا هرب من صخب الواقع إلى عزلته الروحية، ووجد في التصوف ملاذًا للهروب من القسوة والفقر والهموم.

يبقى الدراويش والمجاذيب بين التقديس والاتهام، بين الإلهام والجنون، لكنهم في النهاية يعبرون عن جانب عميق في الشخصية المصرية التي تبحث دائمًا عن الله بطرقها الخاصة، وتجد في التصوف الشعبي مساحة تجمع بين الدين، والفن، والوجدان.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء