التغير الكبير الذى حدث لمنظومة القيم فى مصر هو أخطر ما يواجه بلدنا فى هذه المرحلة، علت قيم الفهلوة والسمسرة والبلطجة، واختفت قيمة العمل والإجتهاد والشهامة والشرف.. للأسف الشديد كل ما حولنا يشجع ثقافة الفهلوة والبلطجة والسمسرة ويقدم الاجتهاد والعمل والشرف كمنظومة بالية تستحق السخرية.
الهوية المصرية باتت فى خطر حقيقى، هذا على فرض أن فى مصر الآن هوية واحدة، فالحقيقة أن مصر من عشرات السنوات – لا أريد أن أقول من مئات السنين- تتصارع فيها هويات عدة.. هويات تعيش متجاورة لكنها متنافرة بشكل واضح.
بعض هذه الهويات فى الفترة الأخيرة تقاس بأين تعيش فى كمبوند ولا منطقة شعبية.. وحتى سكان "الكموبندات" هم أيضا درجات.. ماذا ترتدى من ماركات فى الملابس والأحذية والساعات.. صار ابن البلد والجدع والشهم هو البلطجى تاجر أو متعاطى المخدرات الذى يحمل سنجة أو مطواه طوال الوقت ويصبغ شعره بلون أصفر ويتحدث بسوقية.. والخطير أن الفئتين من يعيشون فى كمبوند ومن يعيشون فى حارات يريدون اختطاف الهوية ونسبها لهم دون غيرهم.. والجميع مؤمن الآن بأن هناك "مصر وegypt" وايجيبت نفسها فيها عدة تصنيفات كما أن مصر درجات!.
عمليات خطف الهوية المصرية لم تقتصر على هذا النموذج فقد تكررت المحاولة عدة مرات على سبيل المثال مع ظهور خطاب دينى متشدد يغازل دول الخليج متأثرا بالفكر السلفى الوهابى بدأت نغمة السخرية من الدولة الوطنية وظهرت مقولات الحدود تراب.. والحط من قيمه المرأة.. والتحريض عليها والتعامل معها على أنها ما هى إلا وعاء للشهوة والإنجاب ومن حق الرجل إهانتها وضربها.
هذا الوضع الشائن والمشين لم ينته للأسف والآن يفرز لنا جرائم من على كل شكل ولون.. وأرجو ألا نكون نسينا " نيرة" كنموذج متكرر.. والتى قتلت على يد زميلها طالب الجامعة.. ثم محاولات مستميتة للنيل من شرف البنت وتبرئة أو التماس العذر للقاتل.. محاولات مستميتة وصلت حد دعوات لجمع 5 ملايين جنيه دية ليتنازل من لهم حق الدم.. وأرجو ألا يمر مقتل أم وأبنائها الثلاثة والتشنيع بسمعة المرأة دون تحقيقات مرور الكرام وغيرهم الكثير.
الهوية المصرية هى هوية صنعها الإنسان المصرى عبر التاريخ ومن خلال خبراته الحياتية التى جاءت نتيجة لعوامل الجغرافيا والتاريخ وصلابة ونضال أجيال قدمت الكثير لهذا الوطن، هوية ممزوجة بسمات وجينات شخصية مصر صانعة الحضارة ومكتشفة الدين والتدين وباعثة الوجدان والإحساس والضمير الإنسانى.. ولكن ليس معنى هذا أن مجموعة ما.. أى كانت هذه المجموعة يمكن أن تحتكر مفهوم الوطنية والهوية وتقصى الآخرين.
التناحر حول الهوية المصرية لن يتوقف وفى رأيي أن محاولة اختطاف هوية المصريين – رغم أنها وكما قلت من قبل وأؤكده من جديد مجموعة هويات وليست هوية واحدة قد تكون متجاورة إلا أنها بالتأكيد متنافرة – ستظل خنجر فى خصر الوطن وستظل أخطر ما يواجهنا، ولن نتقدم إلا إذا كنا صفًا واحدًا تحت علم الوطن المصرى بهوية مصرية وتسود دولة القانون الذى يطبق على الجميع فى كل الأوقات.
علينا أن نؤمن بأن طبيعية الناس أن تختلف، وأن هذا الاختلاف هو الطريق لتقدم وازدهار الوطن.. وأن الإختلاف هو ثراء فكري واجتماعي مهما توحدت هوياتها، لكن حينما تتحول الهويات إلى عمليات تصفية فكرية أو سياسية أو دينية، فإن هذه "الهويات" يمكن أن تكون "قاتلة".
علينا أن نعرف أننا فى خطر حقيقى طالما نقدم ثقافة الفهلوة والسمسرة والبلطجة.. وأن هذا الخطر لن يزول إلا بتقديم نماذج مثل الشهيد المقدم يوسف عباس ليكون هو القدوة بدلا من النماذج السيئة التى تحاصرنا ليل نهار ونتعامل معها على أنها نجوم وصفوة هذا البلد.