رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ضريح السيد البدوي في طنطا.. بين المعتقد الشعبي والروح الصوفية

ضريح السيد أحمد البدوي
ضريح السيد أحمد البدوي

يتوسط ضريح السيد أحمد البدوي المسجد الذي يحمل اسمه في مدينة طنطا بمحافظة الغربية، حيث يلتقي التاريخ بالتصوف، وتتعانق الروحانية مع الموروث الشعبي.

 تتجلى مكانة الولي الشهير الذي أصبح رمزًا دينيًا وروحيًا عند أتباع الطرق الصوفية وملايين المصريين الذين يفدون كل عام إلى مولده طلبًا للبركة، ووفاءً لعقيدة متوارثة جيلًا بعد جيل، وبين تقديس المريدين وانتقادات الفقهاء، يظل ضريحه ومولده من أبرز الظواهر الدينية والاجتماعية في مصر.

ضريح السيد أحمد البدوي

يقع ضريح السيد أحمد البدوي داخل المسجد الكبير بوسط مدينة طنطا، ويُعد من أكثر الأضرحة زيارة في مصر بعد مقام الإمام الحسين بالقاهرة والسيدة زينب، يتوسط الضريح قبة خضراء شاهقة ترتفع فوق بناء مزخرف بالنقوش الإسلامية، وتعلوه شُرُفات نحاسية تلمع تحت ضوء النهار.

وفي الداخل، تنتشر الروائح العطرية والبخور، وتحيط بالحجرة ستائر خضراء مطرزة بآيات قرآنية وأسماء آل البيت، ويتوافد الزائرون لتلاوة الفاتحة والدعاء، أو لربط الخيوط والنذور في شبابيك الضريح اعتقادًا بالشفاعة والبركة.

يُقال إن الضريح يضم جثمان الإمام الصوفي أحمد بن علي البدوي الحسيني الفاسي، الذي وفد إلى مصر في القرن السابع الهجري واستقر في طنطا حتى وفاته سنة 675 هـ / 1276 م، وأسس الطريقة البدوية ذات الراية الحمراء، التي تنتسب إليه حتى اليوم.

المعتقدات الشعبية المرتبطة بالبدوي

يُنسب إلى السيد البدوي عدد من الكرامات التي رُويت على ألسنة أتباعه، أبرزها أنه كان ينقذ الأسرى المصريين من أوروبا زمن الحروب الصليبية، فصار الناس يرددون: "الله الله يا بدوي جاب اليسرى" أي أنه أعاد الأسرى إلى وطنهم.

ويعتقد مريدوه أن زيارته تجلب الفرج والرزق والشفاء، وأنه من الأولياء القادرين على قضاء الحاجات ورفع الكروب، ولذلك يأتي إليه الناس من شتى المحافظات، بل ومن بعض الدول العربية.

ويعتبر البدوي عند الصوفية ثالث الأقطاب الأربعة في الولاية الكبرى، وله أتباع في أكثر من 67 طريقة صوفية تشارك في إحياء مولده كل عام. أما لقب "شيخ العرب" و"الملثم" فقد ارتبطا بصفاته الشخصية، إذ كان لا يُرى إلا مغطّى الوجه كالبدو، في إشارة إلى التواضع والزهد.

الاحتفال بالمولد

يُقام مولد السيد البدوي مرتين سنويًا، الأول في شهر رجب ويعرف بـ المولد الرجبي، والثاني في منتصف شهر أكتوبر وهو المولد الكبير، الذي يُعد أكبر احتفال ديني في مصر.

يستمر المولد أسبوعًا كاملًا، ويتحول ميدان السيد البدوي إلى مدينة مصغّرة من الخيام والموائد والمجالس الصوفية. تُرفع الأعلام الحمراء رمزًا للطريقة البدوية، وتُقام الحضرات والمدائح النبوية والإنشاد الديني، وتصدح أصوات المنشدين حتى الفجر في أجواء تمتزج فيها العبادة بالفرح الشعبي.

ويقدر عدد الزائرين بأكثر من مليوني شخص سنويًا، بعضهم يأتون للنذور والدعاء، وآخرون لحضور حلقات الذكر أو لمجرد المشاركة في أجواء روحانية ومهرجانية فريدة.

الجدل حول المولد والضريح

رغم الطابع الروحي للمولد، إلا أن هناك خلافًا فقهيًا حول مشروعية زيارة الأضرحة والتبرك بها، فبينما يرى الصوفية أن زيارة الأولياء نوع من المحبة والتوسل المشروع إلى الله، يذهب بعض العلماء من أهل السنة إلى أن شد الرحال إلى الأضرحة بدعة لا أصل لها في الدين، مستشهدين بحديث النبي ﷺ: "لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى".

كما يرفض هؤلاء إقامة الصلوات في المساجد التي بُنيت على القبور، معتبرين أن ذلك مخالف للسنة النبوية، بينما يتمسك المريدون بعقيدتهم في أن الأولياء أحياء عند ربهم يُكرمهم الله بالكرامات ويقضون الحاجات بإذنه.

يبقى ضريح السيد أحمد البدوي في طنطا رمزًا عميقًا في الوجدان المصري، لا ينفصل عن هوية المدينة وروحها الشعبية، ولا عن تاريخ التصوف في مصر، فهو مكان يجتمع فيه الزهد والاحتفال، الإيمان والعاطفة، والجدل الديني مع حب الناس.

وفي كل عام، حين تُضاء القبة الخضراء وتصدح المآذن بالمديح، تعود طنطا لتكون عاصمة للروح المصرية كما كانت منذ قرون.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء