في الميثولوجيا الإيرانية، يقف "قيس وليلى" و"خسرو وشيرين" كمرآتين متقابلتين للحب. الأولى تحكي عن الجنون الذي يولده الرفض، والثانية عن الوعي الذي يولده الامتحان.
وبين الحلم والفعل يتشكل الخيال الإيراني للحب وهو عشق لا ينتهي باللقاء بل بالمعنى، وبحث لا يكتمل إلا حين يجد صاحبه نفسه مضطرًا للاختيار بين القلب والعقل، وبين الرغبة والواقع.
في كل أسطورة فارسية، هناك قلب مكسور وراء العرش، وجبل من العشق وراء الدم.
هكذا كانت حكاية خسرو وشيرين، قصة حب أدت إلى الحرب والموت قبل اللقاء. وفيها امتزج الصراع بالسلطة ونزعة البقاء، واختلطت الحكمة بالعاطفة، واختفت الرغبة بين صفحات القدر.
فخسرو يرمز إلى القوة والعرش، وشيرين إلى الروح الحرة، وفرهاد إلى الإخلاص الطاهر.
واليوم، إيران هي "شيرين"، المرأة التي تعرف قيمتها، وتجعل من حولها يثبتون حبهم بالفعل، لا بالكلام فقط.
شيرين ليست حبيبةً تنتظر الإنقاذ، بل رمز للجمال والوعي والقدرة على المقاومة. وكل من يحاول امتلاكها يُختبر أمام مرآتها، لا أمام رغباته.
إن إحياء العقوبات الأممية، لم يكن مجرد ضغط سياسي على إيران؛ بل هو اختبار لشيرين ذاتها، هل ستظل غامضة وفاتنة، وتستدرج خصومها إلى متاهة الجبال كما فعلت بفرهاد، أم أنها ستكتشف أن الغموض لم يعد درعًا بل قيدًا؟
وفي زمن تتقلص فيه المسافات، وتزداد فيها فجوات الفهم، لم يعد الغموض السياسي سلاحًا، بل عبئًا. الشفافية لم تعد اختيارًا، بل شرطًا للوجود في عالم يرى كل شيء، ويسمع كل وعد مرتين، مرة حين يُقال، ومرة حين يُنتقض.
أما عقيدة الثورة الإسلامية، التي كانت ولا تزال تثير المخاوف العربية، فقد فقدت بريقها عندما تحولت من مشروع خلاص إلى أداة بقاء.
وحين بدأت إيران تنتهج سياسة "حافة الهاوية" كمحاولة بقاء، لم يكن ذلك شجاعة محارب، بل رقصة على صخرة النجاة، امتزج فيها الانهيار بالاستمرار.
إنها رقصة تشبه كثير الانتظار الطويل في أساطير العشق، قد لا تصل، ولا تتراجع، لكنها تواصل الرقص، لأن السكون يعني الموت.
أما خسرو الجديد -أيا كان اسمه اليوم- فهو الوجه المتكرر للسلطة، التي تظن أن التاج يكفي لشراء القلب، وأن القوة تُغني عن الفهم.
لكنه في النهاية، كما في الأسطورة، يُطرد من العرش، يُذل، ويتوه في صحراء القرار؛ لأن شيرين لا تُباع، ولا تُفتن بالذهب.
في المقابل، يأتي فرهاد النقي الفقير، الذي ينحت في الجبل حبًا أو إيمانًا أو مقاومة، لكنه لا يقتل بسيف العدو، بل بخيانة الحب السياسي. فكلًا منهم يموت بطريقته، وشيرين تبقى وحدها، ترى كل شيء، تصمت، ثم تدرك أن كل الرجال أرادوا امتلاكها لا فهمها. فتختار الانتحار، النهاية الوحيدة الممكنة في هذا العالم.
وفي النهاية، لم تكن الأسطورة سوى مرآة. ليلى كانت انعكاسًا لعصر آمن بأن العشق جنون، وشيرين مرآة لعصر يؤمن بأن القوة حب.
أما إيران اليوم، فهي تقف بينهما، دولة ممزقة بين الرغبة في أن يُعترف بها، والخوف من أن تفهم بحق.
وحين يسأل التاريخ عن مصير العشاق -ليلى، وشيرين، والمجنون، وخسرو، وفرهاد- سيجد أن الحرب بينهم لا تزال مستمرة، وأن خسرو لا يزال يسير شريد في الصحراء، يبحث عن وجه واحد عله يكون طوق نجاة.