رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

خبير: تحرير سوق الغاز الصناعي بمصر معادلة جديدة بين كفاءة التسعير واستدامة الإمدادات

د.وائل حامد
د.وائل حامد

شهد سوق الغاز في مصر خلال العامين الأخيرين تحولات جوهرية في موازين الإنتاج والاستهلاك، إذ أصبحت  تعتمد على استيراد الغاز الطبيعي لتغطية جزء من احتياجاتها المحلية، سواء عبر خطوط الأنابيب أو من خلال واردات الغاز الطبيعي المسال.

هذا الواقع الجديد يعكس تغيّرًا هيكليًا في معادلة العرض والطلب، ويدفع نحو إعادة صياغة آليات تسعير الغاز بما يحقق استدامة الإمدادات ويحافظ على كفاءة إدارة الموارد الوطنية. وفي هذا السياق، تمثل المعادلة السعرية الجديدة التي أقرتها الحكومة للمصانع الجديدة خطوة عملية نحو تسعير أكثر واقعية، يعكس مزيج مصادر الغاز بين الإنتاج المحلي والاستيراد عبر خطوط الأنابيب والغاز المسال، بما يحقق توازنًا بين حماية الصناعات المحلية من تقلبات الأسعار العالمية، وضمان عدم تراكم أعباء مالية على الدولة بسبب فاتورة الاستيراد.


معادلة أكثر عدالة وكفاءة

يقول الدكتور وائل حامد، خبير أسواق الغاز والهيدروجين، إن "المعادلة السعرية الجديدة تعتمد على المتوسط الوزني لتكلفة الغاز وليس المتوسط البسيط المتداول إعلاميًا"، موضحًا أن السعر النهائي يُحتسب بناءً على ثلاثة مكونات رئيسية وهى، تكلفة الإنتاج المحلي، وتكلفة الاستيراد عبر خطوط الأنابيب، وتكلفة الغاز الطبيعي المسال المستورد، مع الأخذ في الاعتبار نسبة مساهمة كل مصدر من حيث كمياته الفعلية في إجمالي الاستهلاك المحلي.

وأضاف فى تصريح خاص، أن هذا النهج يعكس التكلفة الحقيقية للإمدادات بصورة متوازنة دون تحميل المستهلك الصناعي عبء الأسعار العالمية المرتفعة، كما يُبقي على عنصر الدعم غير المباشر للمصانع الجديدة، ويُخفّف أثر تقلبات الأسعار العالمية خلال فترة التحول نحو التحرير الكامل.

توازن تدريجي بين الإنتاج والاستيراد

يوضح د. حامد أنه من الطبيعي أن يؤدي ارتفاع الإنتاج المحلي أو انخفاض الاستيراد إلى جعل المعادلة أكثر إنصافًا بمرور الوقت، بحيث تنعكس الكفاءة الإنتاجية على أسعار الغاز للمصانع بصورة إيجابية وعادلة.

وأوضح أنه إذا ارتفع الإنتاج المحلي وأصبح يغطي أغلب الاستهلاك، فستحصل المصانع الجديدة على الغاز بسعر التكلفة مضافًا إليه دولار واحد كهامش إضافي، أما إذا زادت حصة الواردات في السوق المحلي، فسيرتفع السعر نسبيًا لكنه سيظل أقل من السعر العالمي بسبب استمرار مكون الغاز المحلي في المعادلة.

التحرير لا يعني رفع الدعم فقط

ويضيف خبير أسواق الغاز أن تجارب الدول الأوروبية في إصلاح أسواق الغاز أثبتت أن التحرير لا يقتصر على رفع الدعم، بل يتطلب أيضًا بناء بيئة تنظيمية تسمح بتعدد الموردين وتنافسية الإمدادات.

ويشير إلى أن هذا المفهوم يعرف بـ مبدأ النفاذ للطرف الثالث (Third Party Access)، الذي يتيح للمستهلكين الصناعيين شراء الغاز مباشرة من الموردين المحليين أو العالميين ونقله عبر الشبكة القومية مقابل تعرفة نقل محددة تُدفع لمشغل الشبكة.

وأكد أن هذه الخطوة تعزز حرية التعاقد وتفتح المجال أمام مشاركة القطاع الخاص في تجارة الغاز، لكنها في الوقت نفسه تُعرّض المستهلكين لمخاطر السوق العالمي. وهناك شركات أوروبية أفلست خلال أزمة الطاقة في 2022 لعدم قدرتها على تحمل الأسعار المرتفعة".

مرحلة انتقالية نحو سوق أكثر كفاءة واستدامة

ويؤكد حامد أن مصر تمر حاليًا بمرحلة انتقالية نحو سوق غاز أكثر كفاءة واستدامة، موضحًا أن المعادلة السعرية الجديدة للمصانع الجديدة تُعد نموذجًا تطبيقيًا لهذا التحول، إذ تجمع بين أهداف الإصلاح الاقتصادي ومراعاة احتياجات القطاع الصناعي.

وأشار أن المعادلة تتيح للحكومة مراقبة الأسعار العالمية والتحكم في انعكاسها محليًا، كما تمنح رؤية أوضح لتكاليف الطاقة وتوقعات الأسعار، ما يساعد في تقييم جدوى إنشاء مصانع جديدة، خاصة مع مراجعة الأسعار كل ثلاثة أشهر".

وعلى المدى المتوسط، يتوقع الخبير أن تسهم هذه الآلية في تعزيز جاذبية قطاع الغاز المصري أمام الاستثمارات الجديدة، سواء في أنشطة الاستكشاف أو البنية التحتية للنقل والتوزيع، كما ستدعم بناء سوق غاز أكثر مرونة وتنافسية قادر على التكيف مع المتغيرات الإقليمية والعالمية.

 سوق الغاز في مصر

تنتج مصر حاليًا ما بين 5.8 إلى 6 مليارات قدم مكعب من الغاز الطبيعي يوميًا، في حين يتراوح الاستهلاك المحلي بين 6.5 و7 مليارات قدم مكعب يوميًا، ما يضع البلاد في وضع عجز نسبي مؤقت تتم تغطيته عبر واردات الغاز من إسرائيل والغاز الطبيعي المسال المستورد.

ويمثل قطاع الصناعة أحد أكبر مستهلكي الغاز في مصر إلى جانب قطاع الكهرباء، وهو ما يجعل آلية تسعير الغاز الصناعي أحد أهم محددات تنافسية الإنتاج المحلي خلال المرحلة المقبلة.

وشدد حامد، أن الشفافية في آليات التسعير والإفصاح عن مكونات التكلفة تمثل ركيزة أساسية لجذب الاستثمارات الجديدة في قطاع الطاقة، لافتًا إلى أن وضوح قواعد السوق وثباتها هو ما يمنح المستثمرين الثقة في استدامة بيئة الأعمال، ويعزز مكانة مصر كمركز إقليمي لتجارة وتداول الغاز في شرق المتوسط.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء