رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حسين عبدالرسول.. كيف تكرمه الدولة وترمونه بالسرقة؟!

حسين عبد الرسول
حسين عبد الرسول

طفل في الثانية عشرة من عمره يحمل جرة ماء بيده الصغيرة، يسير بخطوات سريعة ليساعد العمال في رحلتهم الشاقة للحفر في وادي الملوك بالأقصر، بحثًا عن آثار مصر العظيمة تحت إشراف البعثة البريطانية بقيادة العالم هوارد كارتر.

لم يكن ذلك الطفل النوبي، حسين عبد الرسول، يدرك أن يومًا بسيطًا من عمله سيقوده ليكون شاهدًا على أهم اكتشاف أثري في القرن العشرين، كان كل ما يرجوه في نهاية يومه بضع نقود يعين بها أسرته، لكن عينه التقطت حجرًا غريبًا وسط الرمال، لتبدأ معه الحكاية التي غيرت مجرى التاريخ اكتشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون.

بداية الاكتشاف

وبين انبهار العالم بذلك الكشف الأسطوري، تباينت الآراء حول الطفل النوبي الصغير بين من اتهمه بالمشاركة في تهريب بعض القطع الأثرية، ومن رأى فيه شاهدًا ومشاركًا حقيقيًا في أحد أعظم الاكتشافات الأثرية التي خلدت اسم مصر في ذاكرة الإنسانية.

بدأت أسطورة اكتشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون عام 1922، حين لفت نظر الفتى النوبي حسين عبد الرسول حجر غريب يبرز من الأرض، فاقترب منه بدافع الفضول وحاول تحريكه، لتظهر أمامه أول درجة من السلم المؤدي إلى مدخل المقبرة.

أصيب حسين عبد الرسول بالذهول وهو يهرع نحو هوارد كارتر ليخبره بأنه شاهد حجرًا غريب الشكل يبرز من الرمال، ليبدأ بعدها كارتر استعداداته لفتح مدخل المقبرة. كانت لحظة حاسمة في تاريخ علم الآثار، حين شاهد الجميع نورًا ذهبيًا ينبعث من الداخل، معلنًا عن أعظم كنز أثري عرفه العالم: مقبرة الملك توت عنخ آمون بما تحويه من مومياء وكنوز لا تُقدّر بثمن.

حاول كارتر فصل القناع الذهبي عن المومياء بصعوبة، بينما كان الفتى النوبي الصغير يقف مبهورًا، لا يدرك أن عينيه تشهدان على أعظم كشف أثري في التاريخ الحديث. ومع ذلك، نُسب الفضل كاملًا إلى قائد البعثة هوارد كارتر، وظل اسم حسين عبد الرسول غائبًا عن صفحات المجد، رغم أنه كان الشرارة الأولى التي قادت إلى هذا الاكتشاف الخالد.

التاريخ أنصف حسين عبد الرسول

وربما لم يُنصفه التاريخ آنذاك، لكن مصر لم تنسه، فهي لا تنسى أبناءها، خصوصًا أبناء النوبة الذين طالما كانوا جزءًا أصيلًا من تاريخها وإنجازاتها، من حفر المقابر والمعابد إلى بطولاتهم في حرب أكتوبر.

وقد جاء الإنصاف أخيرًا حين خُصص فيلم توثيقي يُعرض في افتتاح المتحف المصري الكبير، يروي قصة اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، ويعيد إحياء تلك اللحظة التاريخية من منظور جديد، ليكون بمثابة رد اعتبار حقيقي لذلك الطفل النوبي بعد قرن من التهميش.

كما خُصص ركن خاص داخل المتحف يضم صور حسين عبد الرسول، ليس تكريمًا رمزيًا فحسب، بل اعترافًا رسميًا بأن هؤلاء البسطاء كانوا جزءًا من المجد الحقيقي للحضارة المصرية، وأن تعبهم وإخلاصهم لم يذهب سدى، بل تُوّج أخيرًا بعد عقود من الصمت والانتظار.. 

اتهامات موجهه لحسين عبد الرسول

لكن المدهش حقًا، أنه رغم هذه القصة البطولية الملحمية، ما زالت الآراء منقسمة حتى اليوم بين مؤيد ومعارض، وبين من يرى في حسين عبد الرسول شاهدًا على لحظة من أعظم لحظات التاريخ الإنساني، ومن يتهمه هو وعائلته بالمشاركة في سرقة بعض الآثار وتهريبها.

ورغم أن تلك الاتهامات ظلت تدور لعقود طويلة دون دليل قاطع، حتى ظهرت الصدمة حين بدأت بعض الشهادات والمذكرات القديمة تتحدث عن تورط عدد من العاملين المحليين في نقل قطع أثرية صغيرة من المقبرة بعد اكتشافها. 

فتحت تلك الروايات الباب أمام جدل واسع حول حسين عبد الرسول وعائلته، بين من رآهم شهودًا على مجد مصر القديم، ومن اتهمهم بالمشاركة في تهريب كنوزها.

سارق أم مظلوم؟.. دلائل صادمة

سلطت الصحفية والمصورة السويسرية فرانسين ماري دافيد الضوء على سرقة عائلة عبد الرسول، التي ارتبط اسمها طويلًا بعالم التنقيب في الآثار، وذلك بعد ارتباطها عاطفيًا برجل مصري يُدعى طايع لتكتشف أنه ينسب لتلك العائلة.

استرجعت فرانسين في كتابتها فصول من التاريخ الأوروبي في مصر، وتحديدًا فترة التنافس بين القناصل والمستكشفين الأوروبيين على نهب الكنوز الأثرية، حيث شهدت تلك الحقبة صراعًا محمومًا بين القنصل البريطاني هنري سولت والفرنسي برناردينو دروفيتي، وصل إلى حد استخدام القوة، كما فعل بلزونى حين نسف التمثال النصفى لرمسيس الثاني ليُنقل إلى لندن.

كما تُبرز الكاتبة مشاركة العديد من الأوروبيين في نهب الآثار المصرية، تحت غطاء البحث العلمي أو الولع الشخصي، بدءًا من شامبليون الذي أخذ أجزاء من مقبرة سيتي الأول لمتحف اللوفر، وصولًا إلى هوارد كارتر الذي اكتشف مقبرة توت عنخ آمون بمساعدة حسين عبد الرسول عام 1922، دون أن يُنسب الفضل الحقيقي للسكان المحليين.

يمزج الكتاب بين الوثائق التاريخية والخيال الأدبي، ويضيء حياة الشخصيات المحلية مثل «فندية» أم الحروبات، كما يعرض رسائل ومذكرات قديمة توضح الصراع بين العائلات المصرية والبعثات الأوروبية، ويكشف كيف لم يغادر أي سائح الأقصر دون أن يحمل قطعة أثرية تذكارية.

رغم النهب، شهدت بعض المحاولات لحماية الآثار، مثل صندوق إميليا إدواردز، أو دعوة شامبليون لتسليم القطع المكتشفة للسلطات المصرية، وفي ضوء ذلك وجهت الاتهامات والسؤال مازال دائر هل سرقت عائلة عبد الرسول الآثار على حسب كتباتها أم هي صاحبة الكشف الأثري في مصر منذ أكثر من قرن ونصف؟

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء