افتتحت مصر في مساء السبت الأول من نوفمبر 2025 المتحف المصري الكبير الذي يضم نحو 100 ألف قطعة أثرية من حضارة واحدة معروضة في مكان واحد، وهو أمر غير مسبوق في التاريخ، وقد صاحبه شعور جمعي عارم بالفخار الوطني، وبالتالي يستوجب إعادة التفكير في العلاقة بين الإسلام والحضارة.
فقد قال الرسول الكريم محمد (ﷺ): "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، ومن اللافت أنه لم يقل "بعثت لأوجد مكارم الأخلاق" أو "لأنشئها"، بل قال "لأتممها"، وفي هذا اللفظ البليغ إشارة إلى أن رسالة الإسلام لم تكن قطيعة مع ما سبقها من نظم أخلاقية وإنسانية عرفتها الأمم، بل جاءت لتكملها وتعيد إليها توازنها وغايتها العليا.
ولقد فهمت ــ كرجل حاصل على درجة العالِمية من الأزهر الشريف ــ من خلال المنطوق النبوي أن الإسلام حمل في جوهره دعوة إلى التتميم لا إلى الهدم، وإلى البناء على ما أسسته الإنسانية عبر تاريخها الطويل من تجارب في الأخلاق والفكر والعمران.
وعندما نتأمل فيما توصل إليه علماء التاريخ والحضارة، وفي مقدمتهم البريطاني جيمس هنري بريستد في كتابه الشهير "فجر الضمير" نجد أن هناك إجماعا على أن مصر القديمة كانت المهد الأول للأخلاق الإنسانية، وأن الإنسان المصري القديم أدرك مبكرا فكرة الضمير وميزان العدل ومسؤولية الفرد أمام الإله وسلوكه الرشيد لإصلاح النفس والمجتمع.
هذه القيم التي ظهرت أولا في ما وصلنا إلينا من الحضارة المصرية في "كتاب الموتى" وفي وصايا الحكيم "بتاح حتب"، ثم في كتب الحضارة الفارسية مثل ما أورده عبد الرفيع حقيقت في كتابه "دور الإيرانيين في تاريخ الحضارة العالمية"، وهي فضائل في جوهرها نواة لما سماه الإسلام "مكارم الأخلاق".
ومن هذا المنظور، لا يبدو ثمة تناقض بين الإيمان بالله ورسوله محمد (ﷺ) وبين الاعتزاز بالحضارات التي سبقت الإسلام، ما دامت تلك الحضارات قد أعلت من شأن الإنسان والحق والخير والجمال، فالإسلام لا ينكر سعي الإنسان إلى الكمال لكنه يحتضنه ويوجهه نحو التوحيد والغاية الكبرى من الوجود.
ولعل من أبلغ الشواهد على هذا الفهم ما فعله الصحابة الكرام حين دخلوا مصر وفارس، إذ لم يقتربوا من آثار الفراعنة ولا من قصور الأكاسرة؛ لأنهم أدركوا بفطرتهم النقية أنها لم تصنع لتعبد، بل لتخلد في الذاكرة والهوية.
والحق أن جيل الفاتحين من الصحابة الأوائل، وهم أعلم الناس بحقيقة الإسلام، اعتبروا ما وجدوه من آثار في مصر وفارس أعمالا فنية تعبر عن تصور الإنسان القديم للعالم الآخر، وعن توقه إلى البقاء في الذاكرة والوجدان، لا إلى منافسة الخالق في الألوهية، ولا منازعته ــ جل في علاه ــ في ملكه.
وهكذا، فإن الإسلام في صورته الأصيلة لا يصادر منجز الإنسان، بل يضعه في موضعه الصحيح من مسيرة الروح والعقل، وهو خاتمة الوحي لا قاطعه، وهو الامتداد الأعلى لكل محاولة صادقة في التاريخ سعت إلى تهذيب النفس وإقامة العدل وإحياء الضمير.
ومن ثم، فإن النظر إلى الحضارات الفرعونية والفارسية لا ينبغي أن يكون من زاوية الشرك والوثنية، بل من زاوية حضارية أخلاقية تدرك أن الإنسان في كل زمان ومكان كان يسعى نحو الخلاص الشامل من خلال النور الكامن في التوحيد، وقد اهتدى إليه أحيانا وضل عنه في بعض الأحايين، حتى جاء الإسلام فأرشده إلى تمام طريق هذا النور.