جدال المتحف والمصنع.. هل السياحة تكفي أم أن التصنيع هو الحل للإصلاح؟| خاص
أثار افتتاح المتحف المصري الكبير جدلًا واسعًا بين خبراء الاقتصاد حول مدى قدرته على إنعاش الاقتصاد المصري وتحقيق استقرار حقيقي في العملة والأسعار. فبينما يرى فريق أن المتحف يمثل رافعة سياحية كبرى تدعم موارد الدولة بالنقد الأجنبي، يؤكد آخرون أن الأزمة أعمق، وأن الحل لا يكون إلا في التصنيع والإنتاج المحلي.
ماجد فهمي: المتحف دفعة إيجابية.. لكن الحل في الصناعة
قال ماجد فهمي، الخبير المصرفي ورئيس مجلس إدارة بنك التنمية الصناعية الأسبق، إن افتتاح المتحف المصري الكبير سيحدث "دفعة إيجابية بلا شك للاقتصاد المصري" من خلال تنشيط السياحة وزيادة تدفقات النقد الأجنبي، لكنه شدّد على أن الاعتماد على السياحة أو الأموال الساخنة ليس كافيًا لمعالجة أزمة الدولار أو التضخم.
وأوضح فهمي في تصريحاته لـ«إيجبتك» أن "المتحف الكبير حدث تاريخي ضخم سيجذب أنظار العالم إلى مصر، ويعيد تسليط الضوء على حضارتها العريقة"، متوقعًا أن ينعكس ذلك على حركة السياحة الوافدة وزيادة الإنفاق السياحي، وهو ما يدعم السيولة الدولارية مؤقتًا.
وأضاف أن الأثر الإيجابي سيمتد إلى تحفيز الاستثمارات في غرب القاهرة وخلق فرص عمل جديدة في قطاعات الخدمات والنقل والفندقة، مشيرًا إلى أن زيادة أعداد الزائرين ستؤدي إلى تحسن ملموس في الاحتياطي النقدي واستقرار سعر الصرف.

إلا أن فهمي عاد ليؤكد أن الأزمة الاقتصادية "أعمق من أن تُحل بالسيولة المؤقتة"، مضيفًا:"الحل الحقيقي في الصناعة، ثم الصناعة.. لا بد من زيادة الإنتاج المحلي والتوسع في الصادرات، فهي السبيل الوحيد لتحقيق استقرار اقتصادي مستدام."
فيتنام.. الدرس الأوضح
وضرب فهمي مثالًا بدولة فيتنام التي "كانت مدمرة في التسعينات، واليوم تصدر بأكثر من 400 مليار دولار، بينما لا تتجاوز صادراتنا 42 مليارًا"، موضحًا أن الفرق في الاعتماد على العمل والإنتاج والتصدير لا على السياحة أو المضاربة المالية.
وأشار إلى أن مستقبل الاقتصاد المصري يتطلب دعم القطاع الخاص وتشجيع الاستثمارات الإنتاجية لتقليل الاعتماد على الاستيراد، معتبرًا أن هذه هي الإصلاحات الهيكلية التي يمكن أن تعالج أزمة الدولار من جذورها.
أحمد معطي: الفائدة ستصل إلى المواطن مباشرة
من جانبه، أكد أحمد معطي، الخبير الاقتصادي وأسواق المال، أن افتتاح المتحف المصري الكبير لن ينعكس فقط على الدولة، بل سيصل أثره إلى المواطن العادي بصورة مباشرة.
وأوضح في تصريحاته لـ«إيجبتك» أن زيارة المتحف لن تكون تجربة ثقافية فحسب، بل رافعة اقتصادية حقيقية، مشيرًا إلى أن متوسط سعر التذكرة يصل إلى نحو 1000 جنيه، وباحتساب خمسة ملايين زائر سنويًا، يمكن أن تبلغ الإيرادات نحو 5 مليارات جنيه (107 ملايين دولار) سنويًا — وهو رقم متحفظ قد يرتفع إذا تجاوز عدد الزوار ستة ملايين.
وأشار إلى أن تلك العوائد ستساهم في زيادة تدفقات النقد الأجنبي ودعم استقرار الجنيه المصري أمام الدولار، مما يؤدي إلى تهدئة التضخم واستقرار الأسعار داخل السوق المحلية.

المتحف.. «الهرم الرابع» وفرصة للترويج لمصر
ودعا معطي المصريين إلى التفاعل مع الحدث عالميًا عبر نشر المحتوى عن المتحف باللغات الأجنبية والترويج له على مواقع التواصل والصحف العالمية، قائلًا إن الإعلام الدولي يتحدث عنه بوصفه "الهرم الرابع" وأكبر متحف أثري في العالم، متجاوزًا متحف اللوفر الفرنسي من حيث المساحة والتنوع الحضاري.
وأكد أن المتحف ليس مجرد صرح ثقافي، بل رمز اقتصادي جديد سيؤثر على السياحة، والاستثمار، وفرص العمل، واستقرار السوق، قائلاً:"كل تذكرة تُشترى، وكل صورة تُنشر، وكل سائح يدخل بوابته.. هي ربح مباشر لمصر."

بين المتحف والمصنع
وفي ختام الجدل، يتفق الخبراء على أن المتحف المصري الكبير يمثل إنجازًا حضاريًا ضخمًا ورافعة مؤقتة للاقتصاد، لكنه لا يغني عن الحلول الجذرية التي تبدأ من المصنع والمنتج الوطني. فبين "بريق المتحف" و"صوت المصنع"، تتشكل معادلة الاقتصاد المصري في سعيه نحو استقرار حقيقي ومستدام.