وَاجْعَلْ رَجَائِي غَيْرَ مُنْعَكِسٍ.. حلم البوصيري في قصيدة «البردة»
يَا نَفْسُ لَا تَقْنَطِي مِنْ زَلَّةٍ عَظُمَتْ
إِنَّ الْكَبَائِرَ فِي الْغُفْرَانِ كَاللَّمَمِ
لَعَلَّ رَحْمَةَ رَبِّي حِينَ يَقْسِمُهَا
تَأْتِي عَلَى حَسَبِ الْعِصْيَانِ فِي الْقِسَمِ
يَا رَبِّ وَاجْعَلْ رَجَائِي غَيْرَ مُنْعَكِسٍ
لَدَيْكَ وَاجْعَلْ حِسَابِي غَيْرَ مُنْخَرِمِ
وَالْطُفْ بِعَبْدِكَ فِي الدَّارَيْنَ إِنَّ لَهُ
صَبْرًا مَتَى تَدْعُهُ الْأَهْوَالُ يَنْهَزِمِ
بهذه الأبيات كتب محمد بن سعيد البوصيري قصيدته التي أصبحت بعد ذلك أشهر قصيدة مديح نبوي في التراث العربي والإسلامي، قصيدة لم تولد في رغدٍ ولا في راحة، بل في لحظة وجعٍ ومرضٍ شديد حين داهمه الفالج "الشلل النصفي" فأقعده وأضعف جسده، لكن قلبه ظل عامرًا بالرجاء، فأنشأ قصيدته الشهيرة متوسلًا إلى الله بمدح نبيه الكريم ﷺ، راجيًا أن ينال بها شفاء الروح والجسد.
قصيدة الإمام البوصيري
ويروي البوصيري أنه بعد أن أتم القصيدة وقرأها متضرعًا، غلبه النوم فرأى النبي محمد ﷺ في المنام، فأقبل عليه ومسح بيده الشريفة على وجهه، ثم ألقى عليه بردة من نور، فاستيقظ وقد أذهب الله عنه المرض، فقام من فوره كأن شيئًا لم يكن، وخرج من بيته لا يعلم أحد بما حدث، حتى لقيه أحد الفقراء وقال له: «أعطني القصيدة التي مدحت بها رسول الله في مرضك، فقد سمعتها البارحة تُتلى بين يدي النبي ﷺ، وأعجبته، وألقى على من أنشدها بردة»، عندها أيقن البوصيري أن رؤياه صدق، وأن الله شفاه ببركة نبيه الكريم، ومن هنا سُمِّيت قصيدته بـ البُردة.
وقد نظم البوصيري قصيدته الميمية في 167 بيتًا جمع فيها بين صدق الإيمان وروعة البيان، فجاءت كلوحة من المحبة واليقين، تفيض بالعاطفة والروحانية، حتى أصبحت علامة مضيئة في تاريخ الشعر الصوفي والمديح النبوي، يتناقلها العامة والخاصة، وتُتلى في مجالس الذكر، وتُقام لها الليالي المعروفة باسم مجالس البُردة الشريفة في معظم بلاد الإسلام، حيث تُقرأ كل ليلة جمعة بصوتٍ خاشع ونغمةٍ تملؤها الطمأنينة والسكينة.
الإمام البوصيري
والإمام محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي البوصيري "1213م، 1294م"، شاعر مصري من أصول أمازيغية، من أبرز شعراء المديح النبوي في التراث الإسلامي.
وُلد في قرية دِلاص بمحافظة بني سويف وتوفي في الإسكندرية، اشتهر بقصيدته الشهيرة "البُردة" التي نالت شهرة واسعة، وقيل إن النبي محمد ﷺ ظهر له في المنام بعد إنشادها، ومنحه بردة رمزية من نور، فلقبت القصيدة بهذا الاسم. ترك البوصيري إرثًا شعريًا مميزًا يتصدره حبه للرسول ﷺ.