كانت مصر السبت المُنصرم على موعدٍ جديد مع إبهار العالم، باحتفالية خالدة لافتتاح المتحف المصري الكبير، كصرحٍ حضاريٍ لا يُضاهى؛ يضمُ كنوز الحضارة المصرية، ويبوح بأسرارها.. ولكن السؤال الذي يدور في عقلي الآن: كيف يعزز هذا المتحف معادلة الجذب السياحي وطنياً؟
مُنذ الآن، سيكون المتحف المصري الكبير المقصد الأثري الأبرز على خارطة السياحة الوطنية، والقبلة الأولى لكل زائر لمصر، وأعتقد أن الإجابة على السؤال السابق طرحه، تتمحور حول مدى القدرة على الاستفادة من تأثير وزحم هذا الحدث الأبرز محليا وعالمياً، والبناء على ما تحقق من ترتيبات ارتبطت بافتتاح المتحف، حيث اكتسبنا "مطار سفنكس" الدولي، باسمه اللافت وثيق الصلة بالآثار القديمة، وموقعه شديد القُرب من المنطقة الأثرية بأهرامات الجيزة، وتصميمه ذو العناصر الفرعونية الفريدة، بما يجعله البوابة الأنسب لاستقبال الزوار ذوي الشغف بأسرار الحضارة المصرية، ولعلنا نتطلع لتعزيز دور هذا المطار بشكل حيوي، ليشهد حركة دائمة من خلال استقبال الوفود السياحية من الخارج وعبر رحلات داخلية، والتوسع في قدراته بشكل مُطَّرِد مع تزايد الحركة الوافدة، وتهيئته لاستقبال أعداد طائرات أكبر وطرازات أضخم.
لن يتوقف الأمر عند مطار سفنكس، فهناك ضرورة مُلحة للحفاظ على ما تحقق من خطوات ملموسة في تطوير المنطقة المُحيطة بالمتحف والطُرق المؤدية إليه، واكسابها هوية بصرية مُتجانسة، لاسيما فيما يرتبط برفع كفاءة الطرق وأعمال الرصف والتشجير والإنارة والنظافة، وتطوير الميادين وتزيينها بعناصر ذات صلة بتراثنا العريق، وكذا فيما يتصل بالمباني المُطلة، ولعل ذلك سيتحقق من خلال برامج مُنتظمة للصيانة والمُتابعة، ومُواصلة التطوير وتوسيع نطاقه، حيث تمثل البنية التحتية وخاصة الطرق عامل جذب مهم للحركة السياحية وتهيئة تجربة زيارة ممتعة لضيوف مصر، لكونها تساهم في تيسير مسارات الحركة بين المقاصد واختصار الوقت والمال، وانعكاس صورة حضارية في أعين السائحين وكاميراتهم ثم على منصاتهم الالكترونية.
إن ما سبق لا يُمثل مسئولية الدولة وحدها، فهناك دورٌ حيوي للمواطن في تعزيز أثر تلك الجهود، فمن اللافت أن تطور الحركة السياحية في البلدان يقترن بـ "الثقافة السياحية" لدى الشعوب، ومن ثم فنحن بحاجة إلى غرس وعي سياحي عند المواطن بأهمية الحركة السياحية على الاقتصاد الوطني، ودور السائحين في نقل حقيقة ما يعايشونه في البلدان التي يزورونها، ولذا يأتي أهمية الاستقبال الجيد للسائح، بداية من المطار وعند نقله بين وجهات زيارته، والتعامل الراقي معه، وعدم تعريضه لسلوك سلبي من ابتزازه مادياً، أو ترويعه، أو أي سلوك شائن، ومساعدته لدى الاحتياج لذلك، بل النظر لبعض السلوكيات الاعتيادية باعتبارها داعمة لتجربة السائح، مثل الحفاظ على نظافة الطرق والمناطق، ونقل تلك الثقافة جيلاً بعد جيل عبر دور المنزل والمدرسة والجامعة.
لقد بات من الجلي، أن الارتكان على إرثنا الحضاري العريق، أو الكم غير المسبوق من الآثار الذي يجعل من بلادنا متحفاً مفتوحاً، أو حتى تدشين صروح حضارية ضخمة مثل المتحف المصري الكبير، لن يُمثل نهاية المطاف وسدرة المُنتهى في رحلة السعي لتحقيق التنمية السياحية المُستهدفة، بل ميلاً واحداً يتبعه أميالٌ أخرى لبلوغ الهدف المنشود في جذب عشرات الملايين من السائحين كل عام واكتساب أسواق سياحية جديدة، وتوفير تجربة متكاملة للزائر تشمل نشاط سياحي وثقافي وفني ورياضي وديني واستشفائي فضلاً عن سياحة المؤتمرات والمهرجانات، بما يُعيد قطاع السياحة إلى معدلات النمو المسبوقة وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، ويدفع أيضاً في اتجاه مضاعفة الاستثمارات السياحية، استفادة من الفرص الواعدة التي لا تنضب على أرض مصر.
إن مصر التي تشير الأرقام الحكومية بها إلى كونها نجحت في جذب أكثر من ١٧ مليون سائح خلال العام الجاري، بزيادة مليوني سائح عن العام الماضي، فإنها تمضي بخطى حثيثة وفق أرقام رسمية أيضاً للوصول لرقم ١٩ مليون سائح بحلول يونيو ٢٠٢٦، إلا أن معدل الزيادة المطرد على هذا النحو لا يزال غير ملبيا لتطلعات الدولة في الوصول لرقم ٣٠ مليون سائح بحلول عام ٢٠٣٠ بحسب الاستراتيجية الوطنية للسياحة، وإن كان الفارق ضئيلاً يمكن تعويضه بخطوات جادة نحو الترويج السياحي الفاعل، وإتاحة تجربة محفزة للتكرار للوافدين إلى مصر، لتصبح إلى جانب كونها أرض الحضارة، بوابة العبور للمستقبل.
—-