رغم المليارات.. استثمارات معامل التكرير بلا نتائج ملموسة على السوق المصري !
تُعد صناعة تكرير البترول إحدى الركائز الحيوية للاقتصاد المصري، إذ تعتمد عليها الدولة في تلبية احتياجات السوق المحلي من الوقود والمشتقات البترولية.
وعلى مدار السنوات الماضية، ضخت الحكومة استثمارات ضخمة في تطوير وتحديث معامل التكرير، إلا أن النتائج لا تزال محل جدل واسع بين المسؤولين والخبراء، وسط تساؤلات حول العائد الفعلي لتلك الاستثمارات على تقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
صناعة استراتيجية بخمس مراحل أساسية
يمر النفط بخمس مراحل رئيسية في التكرير ليظهر في صورته النهائية كالبنزين أو السولار أو المازوت.
وتُعد هذه المراحل أساس صناعة البترول، إذ تضمن إنتاج منتجات عالية الجودة تلبي احتياجات الأسواق المحلية والدولية من الطاقة.
استثمارات ضخمة.. ونتائج محدودة
تشير البيانات الرسمية إلى أن قطاع البترول ضخ نحو 585 مليار جنيه في إعادة تأهيل وتطوير معامل التكرير، إضافة إلى 600 مليار جنيه لتوسيع السعات التخزينية من 14 إلى أكثر من 45 يومًا.
كما أعلنت الهيئة العامة للبترول الانتهاء من خطة لتطوير المعامل باستثمارات تصل إلى 2.5 مليار جنيه، تستهدف رفع الطاقة الإجمالية إلى 36 مليون طن سنويًا.
لكن على أرض الواقع، لا تتجاوز القدرات التشغيلية الفعلية للمعامل 12 إلى 13 مليون طن خام سنويًا، ما يدفع مصر إلى استيراد الخام الليبي والكويتي لسد العجز.
الفجوة بين التصميم والواقع
تمتلك مصر 9 معامل تكرير بطاقة تصميمية إجمالية تبلغ 38 مليون طن سنويًا، وفق دراسة صادرة عن جمعية البترول المصرية، إلا أن الطاقة الفعلية المستغلة أقل بكثير.
وتتركز استراتيجية وزارة البترول على تطوير المعامل القائمة وإنشاء مشروعات جديدة أبرزها:
• المصرية للتكرير (مسطرد)
• مجمع أنوبك بأسيوط
وقد ساهمت هذه المشروعات في تقليل واردات البنزين والسولار جزئيًا، لكنها لم تحقق بعد الاكتفاء المحلي المنشود.
أرقام تكشف الواقع
ويُعد ميدور، المصرية للتكرير (مسطرد)، والعامرية هي المعامل الثلاثة الوحيدة ذات الجدوى الاقتصادية الحقيقية في مصر.
قدرات معامل التكرير في مصر
تختلف معامل التكرير في مصر من حيث الطاقة الإنتاجية ومستوى التطور التكنولوجي، إذ تضم الدولة مجموعة من المعامل القديمة والبسيطة إلى جانب معامل تحويلية حديثة ذات كفاءة وربحية أعلى.
يُعد معمل تكرير أسيوط من أقدم المعامل في البلاد بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 82 ألف برميل يوميًا، ويحتاج إلى تحديث شامل لرفع كفاءته التشغيلية.
أما معمل طنطا فيعمل بطاقة 40 ألف برميل يوميًا، ويُعتبر معملًا بسيطًا يفتقر إلى وحدات تحويلية حديثة.
ويأتي معمل النصر للبترول بطاقة 134 ألف برميل يوميًا، لكنه يعتمد على تكنولوجيا قديمة ذات عائد محدود.
في المقابل، يعد معمل المصرية للتكرير (مسطرد) من أحدث المشروعات بطاقة 160 ألف برميل يوميًا وبدرجة تعقيد 2.75، وهو أحد أهم المعامل التحويلية في مصر.
بينما يعمل معمل السويس لتصنيع البترول بطاقة 64 ألف برميل يوميًا ودرجة تعقيد 7.5، في حين تبلغ طاقة معمل العامرية نحو 72 ألف برميل يوميًا بدرجة تعقيد 8.3.
أما معمل الإسكندرية للبترول فتبلغ طاقته 19 ألف برميل يوميًا بدرجة تعقيد 3.3، فيما يُعتبر معمل ميدور الأعلى ربحية والأكثر تطورًا، بطاقة إنتاجية تصل إلى 100 ألف برميل يوميًا وبدرجة تعقيد 12.2، ما يجعله المعمل الوحيد القادر على تحقيق أرباح كبيرة مقارنة ببقية المعامل.
واردات مرتفعة رغم خطط التطوير
وفق بيانات جهاز التعبئة العامة والإحصاء:
• ارتفعت واردات المنتجات البترولية إلى 10.5 مليار دولار في 2024 مقابل 7.5 مليار دولار في 2023.
• بلغت قيمة شحنات الوقود خلال الربع الأول من 2025 نحو 3.4 مليار دولار.
• وتستهدف مصر استيراد 8 ملايين برميل خام سنويًا لتشغيل المصافي المحلية.
تحديات تشغيلية ومعوقات إنتاجية
كشف مصدر مطلع في قطاع البترول – فضّل عدم ذكر اسمه – أن أبرز التحديات في معامل التكرير الحديثة مثل ميدور ومسطرد والعامرية تتمثل في نقص الخامات المناسبة للتشغيل.
وأوضح أن معمل ميدور صُمم لمعالجة خامات عربية خفيفة ومتوسطة وثقيلة، لكنها لم تعد متوفرة إلا بكميات محدودة، ما اضطره إلى استخدام خامات بديلة من الصحراء الغربية أو الكويت أو خليج السويس، وهي لا تتوافق مع مواصفات التصميم، مما يؤدي إلى انخفاض الإنتاج وتراجع جودة المشتقات.
وأضاف المصدر أن ميدور لا يعمل بكامل طاقته البالغة 160 ألف برميل يوميًا رغم توسعته الأخيرة، مشيرًا إلى أن مصر ما زالت تستورد 13 مليون طن من المنتجات البترولية سنويًا، وهي مفارقة كبيرة بالنظر إلى حجم الاستثمارات.
كما أكد أن بعض المعامل تُجبر على توريد منتجاتها الثقيلة دون مقابل عادل، ما يجعلها تعمل بخسائر اقتصادية، بينما تعاني معامل السويس والنصر من تقادم تكنولوجي واضح يؤدي إلى تقليص طاقتها التشغيلية.
مشروعات جديدة.. دون جدوى كاملة
أشار المصدر إلى أن تنفيذ بعض المشروعات بشكل غير مكتمل أفقدها الجدوى الاقتصادية، مثل وحدات التفحيم في معمل السويس المتوقفة منذ ثلاث سنوات، بسبب غياب الوحدات التكاملية مثل مجمعات التكسير الهيدروجيني أو الزيوت، ما يعطل دورة التشغيل المتكاملة.
مقترحات لإصلاح المنظومة
• تشكيل لجنة استشارية من خبراء التكرير لتحديد أولويات التشغيل.
• منح الأولوية للمعامل الحديثة ذات الربحية العالية مثل ميدور ومسـطرد.
• دمج أو إعادة هيكلة المعامل القديمة مثل النصر والسويس لتصبح أكثر تكاملًا.
• توفير خامات ملائمة للتشغيل مثل الخام العراقي (البصرة) والكويتي والعربي المتوسط.
ويرى الخبراء أن تنفيذ هذه الخطوات يمكن أن يقلل فاتورة استيراد المنتجات البترولية التي تصل إلى 13 مليون طن سنويًا بمتوسط 700 إلى 750 دولارًا للطن، أي ما يعادل مليارات الدولارات سنويًا.
مدحت يوسف: فجوة بين الأرقام والاستراتيجية
قال المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، إن بيانات الهيئة العامة للبترول حول استهلاك مصر من المنتجات البترولية والغاز الطبيعي – البالغ 83.6 مليون طن خلال العام المالي 2024/2025 – تفتقر إلى التفاصيل الضرورية التي توضّح توزيع الاستهلاك بين الغاز والمنتجات البترولية.
وأضاف في تصريحات خاصة لـ"إيجيبتك" أن استهلاك الغاز الطبيعي يبلغ نحو 62.5 مليار متر مكعب سنويًا (46 مليون طن)، أي أن استهلاك المنتجات البترولية لا يتجاوز 37.6 مليون طن، فيما تكرّر المعامل نحو 25.3 مليون طن فقط، وهو ما يفسّر استمرار الاستيراد بنحو 13 مليون طن من البنزين والسولار والمازوت.
وأكد يوسف أن هناك طاقات معطلة تقدر بنحو 10 ملايين طن في بعض المعامل، مشيرًا إلى أن تشغيل المعامل التحويلية الحديثة بكامل طاقتها هو الحل الأمثل لتحقيق الربحية وتقليص الواردات.
رغم مليارات الجنيهات التي استثمرتها الدولة في تطوير معامل التكرير، إلا أن الفجوة بين الطاقات التصميمية والفعالة لا تزال قائمة، بسبب نقص الخامات، والتقادم التكنولوجي، وضعف التكامل التشغيلي.
ويحذر خبراء من أن الطلب المحلي على المشتقات البترولية مرشح للزيادة خلال السنوات المقبلة، ما يستدعي الإسراع بإنشاء وحدات متطورة وربطها بالمعامل القائمة لتحقيق استقلال طاقوي وربحية مستدامة.