رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مأساة السودان في ذروتها

الفاشر.. المدينة التي انهارت أمام الصمت الدولي

الفاشرالأوضاع في
الفاشرالأوضاع في مدينة الفاشر

تشهد مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور في غرب السودان، فصلاً مأساويًا جديدًا من الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين، بعد أن أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها الكاملة على المدينة منذ عدة أيام، في تطورٍ يراه المراقبون الأخطر منذ اندلاع النزاع بين الجيش والدعم السريع في أبريل 2023.

انهيار إنساني شامل

سقوط الفاشر لم يكن مجرد انتصار عسكري لطرف على آخر، بل انهيار إنساني شامل يهدد حياة مئات الآلاف من المدنيين، ويكشف عن عمق المأساة التي يعيشها السودان اليوم.

الأوضاع في الفاشر
الأوضاع في الفاشر

مدينة تحت الحصار والنار

على مدى أسابيع سبقت سقوطها، خضعت الفاشر لحصار خانق فرضته قوات الدعم السريع، التي قطعت الطرق المؤدية إليها ومنعت دخول الغذاء والدواء والمياه.

تحولت المدينة إلى ما يشبه السجن الكبير، مع انقطاع الكهرباء والاتصالات ونفاد الوقود والمستلزمات الطبية. شهود عيان تحدثوا عن قصف مدفعي وغارات عشوائية طالت أحياءً سكنية ومستشفيات ومدارس، وفقًا لبعض وسائل الإعلام.

وقالت منظمة الصحة العالمية إن أكثر من 460 شخصًا، من مرضى ومرافقين وعاملين صحيين، قُتلوا في مستشفى الفاشر التعليمي بعد اقتحامه من قبل مسلحين، ووصفت ما جرى بأنه "جريمة ضد الإنسانية".

وأكد طبيب من داخل المدينة - رفض ذكر اسمه لأسباب أمنية - أن "المستشفيات تحولت إلى مقابر، والمصابون يموتون أمام أعيننا دون دواء أو أكسجين، فيما الجثث تُدفن في ساحات المستشفيات".

نزوح ومعاناة بلا حدود

بحسب تقارير الأمم المتحدة، يعيش داخل الفاشر أكثر من 250 ألف شخص محاصَر بلا مساعدات، بينهم عشرات الآلاف من الأطفال والنساء وكبار السن. الطعام شبه منعدم، والمياه ملوثة، والأمراض تنتشر بسرعة.

تقول فاطمة عبد الرحمن، وهي نازحة من حيّ طيارة: "هربنا من القصف ليلاً إلى أطراف المدينة. لم نحمل معنا شيئًا، والآن نعيش في العراء نقتات على القليل من الحبوب والماء الملوث".

وفي مخيم "زمزم" للنازحين القريب من الفاشر، سجلت المنظمات الإنسانية ارتفاعًا حادًا في حالات الكوليرا وسوء التغذية الحاد. ويقول العامل الإغاثي محمد أحمد "إن المخيم مكتظ بعشرات الآلاف من النازحين، لا توجد أدوية ولا طعام كافٍ، وكل يوم نفقد أطفالًا بسبب الجوع والمرض".

الأوضاع في مدينة الفاشر
الأوضاع في مدينة الفاشر

انتصار ميداني للدعم السريع.. وهزيمة قاسية للجيش

استيلاء قوات الدعم السريع على الفاشر يمثل تحولًا استراتيجيًا حاسمًا في مسار الحرب، إذ كانت المدينة آخر معقل رئيسي للجيش السوداني في إقليم دارفور. وبهذا الانتصار، أصبحت معظم مناطق الإقليم الغربي، بما في ذلك نيالا والجنينة وزالنجي، تحت سيطرة الدعم السريع.

المحلل الهادي عبد المنعم قال إن "سقوط الفاشر يعني أن الجيش خسر آخر نقاط تماسكه في الغرب، ما يجعل معركته في الخرطوم وشرق السودان أكثر تعقيدًا وضعفًا". في المقابل، أعلن الجيش أنه "يعيد التموضع" استعدادًا لهجوم مضاد، وسط حديث عن دعم خارجي متزايد من بعض الدول الإقليمية، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لوقف القتال.

صمت دولي يفاقم المأساة

رغم فداحة ما يجري، لم ينجح المجتمع الدولي حتى الآن في فرض وقف لإطلاق النار.

الأمم المتحدة وصفت ما يحدث في الفاشر بأنه "رعب إنساني يفوق الوصف"، بينما طالبت منظمة الصحة العالمية بتحقيق عاجل في جرائم استهداف المستشفيات والمدنيين.

منظمة "هيومن رايتس ووتش" بدورها قالت إن "الهجمات التي وقعت في الفاشر تمثل جرائم حرب واضحة، وعلى المجتمع الدولي أن يتحرك لوقف المجازر ومحاسبة الجناة".

لكن هذه الإدانات بقيت حبرًا على ورق، مع استمرار الانقسام داخل مجلس الأمن بين الدول الغربية وروسيا والصين بشأن فرض عقوبات أو إرسال بعثة أممية جديدة للسودان.

الأوضاع في مدينة الفاشر
الأوضاع في مدينة الفاشر

ردود الفعل الإقليمية: قلق وحذر

مصر عبّرت عن "قلق بالغ" من التطورات في دارفور، داعية إلى وقف فوري لإطلاق النار وحماية وحدة السودان.

وأكدت وزارة الخارجية المصرية أن "استمرار الحرب يشكل خطرًا مباشرًا على الأمن الإقليمي"، خاصة مع تدفق اللاجئين نحو الحدود المصرية والتشادية.

تشاد أعلنت إغلاق حدودها مع السودان بشكل مؤقت بعد وصول آلاف الفارين من الفاشر، مشيرة إلى أن طاقتها الاستيعابية للاجئين "بلغت الحد الأقصى". وقالت نجامينا إنها تخشى من انتقال القتال إلى أراضيها بسبب قرب الفاشر من حدودها الشرقية.

الاتحاد الأفريقي دعا إلى قمة طارئة لبحث الوضع، وأدان بشدة "الانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين"، لكنه لم يتمكن من جمع طرفي النزاع حول طاولة مفاوضات حتى الآن.

الجامعة العربية اكتفت ببيان مقتضب دعت فيه إلى "ضبط النفس ووقف القتال"، دون طرح مبادرة ملموسة، فيما حذّرت منظمة الإيغاد من أن استمرار الحرب "قد يؤدي إلى تفكك السودان بالكامل".

السودان في أرقام 

وفقًا لبيانات الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية:

-عدد القتلى منذ أبريل 2023  أكثر من 18,500 شخص

-النازحون داخل السودان  نحو 12 مليون نازح

-اللاجئون في دول الجوار  أكثر من 3.1 مليون لاجئ

-المناطق المتأثرة بانعدام الأمن الغذائي 70% من البلاد

-الأطفال المهددون بالمجاعة أو المرض حوالي 6 ملايين طفل

-عدد المستشفيات الخارجة عن الخدمة أكثر من 65% من المرافق الصحية

-عدد المدارس المغلقة  نحو 10 آلاف مدرسة

-المصابين بالكوليرا أكثر من 35 ألف حالة مؤكدة

تشير التقديرات أيضًا إلى أن اقتصاد السودان فقد أكثر من 60% من ناتجه المحلي الإجمالي خلال العامين الماضيين، فيما خرجت مناطق كاملة عن السيطرة الحكومية.

الفاشر مرآة وطن يحتضر

الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة منكوبة، بل مرآة تعكس مأساة وطن ينهار تحت وطأة حرب عبثية وصراع على السلطة والنفوذ.

في شوارعها المدمرة ومخيماتها المزدحمة وجثثها المجهولة، تتجسد قصة السودان كله - بلد غارق في الدم، يتداعى صمتًا أمام أنظار العالم.

ورغم الدعوات الدولية، لا تزال قوات الدعم السريع والجيش السوداني متمسكين بخيار السلاح، فيما يواصل المدنيون وحدهم دفع الثمن الأكبر.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى متى ستبقى الفاشر تموت وحدها... بينما العالم يكتفي بالمشاهدة؟

أصل الصراع والتحول إلى حرب أهلية

الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بدأ فعلياً في أبريل 2023، بعد خلافات على السيطرة على السلطة في ما تبقّى من مرحلة الانتقال الديمقراطي. 

باحث سوداني في القاهرة فضل عدم الكشف عن اسمه، أكد أن الحرب في السودان ليست مجرد صراع على السلطة بل تعبير عن أزمات بنيوية: ضعف الحوكمة، احتكار المؤسسة العسكرية للقوة والاقتصاد، والصراعات الإثنية والهوية. 

وأضاف أن الحرب تحولت أيضاً إلى ساحة للصراع الإقليمي: تدخلات خارجية ودعم للأسلحة من أطراف إقليمية، مما زاد من تعقيد الوضع. 

وأشار إلي أن ملايين الأشخاص نزحوا داخلياً وخارجياً، وباتت الأوضاع الإنسانية كارثية. وتابع قائلاً: "اقتصاد السودان انهار تقريباً: الإنتاج الزراعي توقف، التمويل الحكومي ضعُف، التجارة تقلّصت. وأوضح أن الحرب بدأت تُدار أيضاً بطريقة تستهدف جماعات عرقية محددة، وتستخدم "خطاب كراهية" يدفع إلى انتهاكات ممنهجة. 

الأوضاع في مدينة الفاشر
الأوضاع في مدينة الفاشر

الأهمية الإقليمية والدولية للصراع

حسب بعض التحليلات السياسية، فإن الصراع في السودان ليس محلياً فقط بل يؤثر على الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وأمن البحر الأحمر، وارتباطه بملفات مثل الإرهاب والهجرة. 

فيما يري المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن أوروبا لا تستطيع تجاهل ما يحدث، لكن ما زال هناك فجوة بين التصريحات وبين الفعل. 

أبرز التحديات التي تشهدها السودان

غياب سلطة مركزية موثوقة أو حكومة مدنية فعالة: مما يجعل تنظيم إيقاف الحرب وإعادة بناء الدولة أمراً بالغ الصعوبة. تفكك النسيج الاجتماعي: الحرب تؤجج الإثنيات، والخطاب الذي يستهدف جماعات معيّنة يُضعف فرص تحقيق مصالحة. عائق المعلومات والوصول للحقيقة: الباحثون يذكرون أن جمع بيانات دقيقة في السودان صعب جداً بسبب انقطاع الاتصالات، الحصار، والسياق الأمني.  التداخل الإقليمي والدولي: تدخلات خارجية، دعم عسكري، مصالح متعددة تجعل إمكانية الحل محلية فقط مقتصرة. 

الحرب في الفاشر
الحرب في الفاشر

ما هي خيارات المُستقبل؟ 

يجب رفع أولوية السودان في سياسات الدول الكبرى، ليس فقط لأسباب أخلاقية بل لأسباب أمنية وإقليمية، دعم مسارات مصالحة وطنية تُعيد بناء الثقة بين المكونات السودانية، مع معالجة العدالة الانتقالية ومحاسبة الانتهاكات. 

تأمين ممرات إنسانية وحماية المدنيين فوراً، لأن بخسّ الوقت يمكّن الأطراف من ترسيخ مصالحها على الأرض، تعزيز قدرة المجتمع المدني والمؤسسات المحلية، والشراكة مع المجتمع الدولي لدعم الانتقال المدني والديمقراطي. 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء