«عقيلة بني هاشم».. السيدة زينب بطلة كربلاء وحفيدة رسول الله التي باركت أرض الكنانة
يتعانق المآذن مع سماء التاريخ، في مشهد يبعث الطمأنينة والراحة في القلوب، خاصة في القاهرة منبع الإيمان، يقف جامع السيدة زينب رضي الله عنها شاهدًا على عظمة العمارة الإسلامية وعمق الروح المصرية التي جمعت بين الجمال والإيمان، فهو ليس مجرد مسجد تقام فيه الصلوات، بل جوهرة معمارية وروحية تمثل أحد أهم المزارات الدينية في مصر والعالم الإسلامي، يقصده الزائرون من كل مكان للتبرك بمرقد حفيدة الرسول صلى الله عليه وسلم، السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب، التي ارتبط اسمها بالعطاء والصبر والجلال.
جامع السيدة زينب
يقع جامع السيدة زينب رضي الله عنها في الميدان الذي يحمل اسمها وسط القاهرة، وهو ميدان كان يعرف قديمًا باسم قنطرة السباع، نسبة إلى قنطرة أنشأها السلطان الظاهر بيبرس وزُينت بنقوش السباع، وكانت تعبر الخليج الخارج من نهر النيل إلى السويس.
رُدم هذا الخليج في عام ١٢١٥هـ، لتختفي القنطرة وتتسع المنطقة، فظهر جمال الواجهة التاريخية للمسجد، التي جددها الوالي العثماني علي باشا عام ٩٥١هـ.
وأولى الأمير عبد الرحمن كتخدا المسجد اهتمامًا كبيرًا، فجدد عمارته عام ١١٧٠هـ، ومنذ القرن التاسع عشر أصبح الحي يُعرف باسم عقيلة بني هاشم تيمنًا بالسيدة زينب رضي الله عنها، التي تُلقب بهذا اللقب.
يمتد المسجد اليوم على مساحة تقدر بنحو ٧٠٠٠ متر مربع، وتطل واجهته الرئيسية على الميدان بثلاثة أبواب مزينة بآيات قرآنية وأبيات شعرية تنطق بجمال الفن الإسلامي.
تاريخ الجامع وملامحه المعمارية
افتُتح المسجد بشكله المهيب الحالي عام ١٣٠٢هـ، فيما اكتملت مئذنته الرشيقة عام ١٣٠٧هـ، وهي من أجمل نماذج الزخرفة والنقش الإسلامي، إذ ترتفع نحو ٤٥ مترًا وتتزين بثلاث شرفات وآيات قرآنية محفورة بعناية.
وفي الركن الغربي البحري يقع سور حديدي يحتضن قبتين صغيرتين قائمتين على أعمدة رخامية فوق قبري العتريس والعيدروس رضي الله عنهما.
أما الواجهة الغربية المطلة على شارع السد فتضم مدخلين يمثلان مرحلتين من التوسعة، الأولى عام ١٣٦٠هـ والثانية في ١٣٨٩هـ، وتعلوها ساعة كبيرة أصبحت إحدى علامات المسجد.
ويضم المسجد أيضًا واجهتين أخريين، الشرقية المطلة على شارع العتريس وتؤدي إلى المكتبة، والثانية تطل على فناء ملاصق لمسجد الزعفراني.
قبة الضريح على الطراز المملوكي
شُيدت الواجهات والمنارات وقبة الضريح على الطراز المملوكي الغني بالزخارف والمقرنصات والخطوط العربية المنقوشة على الحجر والرخام، مما يضفي على المكان مهابة وروحانية فريدة.
أما الداخل فيتميز بسقف مزخرف محمول على ١٢٤ عمودًا رخاميًا و٣٠ قاعدة حجرية، مع ثلاثة محاريب، أقدمها المحراب المقابل للضريح الشريف الذي أُنشئ عام ١٣٠٢هـ، ويعلوه منور مزخرف بآيات قرآنية وأبيات من بردة الإمام البوصيري، في مزيج من الفن والدين.
ويتوسط المسجد شخشيختان رئيسيتان: الأولى تغطي الصحن، والثانية أمام الضريح، وكلاهما غني بالنقوش والزجاج الملون والثريات الفاخرة التي تنثر الضوء في أرجاء المسجد فتزيده بهاءً وجمالًا.
دور وزارة الأوقاف في تطوير المسجد
قامت وزارة الأوقاف المصرية في عام ١٩٤٠م، بإعادة بناء المسجد في صورته المعمارية الحالية، بحيث يتكون من سبعة أروقة موازية لجدار القبلة، يتوسطها صحن واسع مغطى بقبة تتقابل مع قبة الضريح الشريف.
ثم توالت التوسعات، أبرزها عام ١٣٨٩هـ/١٩٦٩م في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، حيث أضيفت مساحة جديدة موازية للمسجد الأصلي، وتم إنشاء محراب جديد، فيما ظلت القبة والضريح محور الاهتمام والعناية.
وفي هذه التوسعة أضافت وزارة الأوقاف مساحة ثانية مماثلة تمامًا للمسجد الأصلي وبنفس التصميم والمساحة، بحيث أصبحت الإضافة الأولى تفصل بين المسجد القديم والتوسعة الجديدة، ولهذا أنشئ محراب يتوسط المسجد الحديث مع الإبقاء على المحراب الأصلي حفاظًا على التراث المعماري والديني.
المقام الشريف وتاريخه
ويُروى أن المسجد بُني على قبر السيدة زينب رضي الله عنها، التي أقامت في دار مسلمة بن مخلد الأنصاري عند قدومها إلى مصر، وهو الموقع الحالي للضريح الشريف. وعلى مر العصور ظل هذا المقام موضع تعظيم وتقدير من أهل مصر وزوارها، يُعمَّر على الدوام بجهود الأوقاف وأهل الخير.
وشيد الخليفة الفاطمي أبو تميم معد نزار أول عمارة كبيرة على المقام عام ٣٦٩هـ، ليصبح منذ ذلك الحين واحدًا من أشهر المشاهد الإسلامية في مصر والعالم الإسلامي، ومقصدًا للزائرين والباحثين عن السكينة والبركة.
وفي كل ركن من أركانه، تمتزج عبق العمارة المملوكية بروح الإيمان الصافي، فيبقى جامع السيدة زينب رضي الله عنها رمزًا خالدًا للتاريخ والدين والفن، ومعلَمًا روحيًا تتجدد حوله أنوار القاهرة كل يوم.