رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

العدالة أساس الحكم الصالح.. وصايا شكلت الأدب المصري القديم

الفلاح الفصيح
الفلاح الفصيح

شكلت الكتابة في الحضارة المصرية القديمة وسيلة أساسية للتعبير عن المعتقدات الدينية، والحياة اليومية، والفكر الفلسفي، والتعليم الأخلاقي، ولغة للتواصل الثقافي والحضاري الرابط بين العصور، ترك المصريون القدماء بصمتهم في الأدب المصري القديم لتكون كمرآةً لحضارة عظيمة، تعكس فكر المجتمع وقيمه الروحية والاجتماعية والسياسية.

كانت القراءة والكتابة من مهام طبقة الكتبة المتميزة، الذين ساعدوا المسؤولين الحكوميين ونقلوا الأدب ونسخوا الأعمال الكلاسيكية، مثل قصص سنوحى ووصايا أمنمحات، كجزء من التعليم والتربية على القيم الأخلاقية والاجتماعية.

 

الأدب المصري القديم

شكل الأدب المصري القديم عدة أنواع، أبرزها الرثاء والخطابة والحكايات والوصايا والتعاليم، حيث كانت الحكايات السردية تُكتب عادة في صورة أبيات شعرية قصيرة، وقد كانت نصوص التعاليم، مثل أمثال بتاح حتب ووصايا أمنمحات وتعاليم كاي جمني، تحمل أهدافًا تعليمية وأيديولوجية، موجهة لنقل الفضائل والقيم المجتمعية مثل الولاء للملك وحب الوطن والاعتماد على النفس، وقصة الفلاح الفصيح، لم تقتصر الكتابات على الرجال؛ فقد وُجدت بعض الرسائل الخاصة للنساء.

وصايا أمنمحات

وصايا أمنمحات هي إحدى الأعمال الأدبية الشعرية المصرية القديمة التي كُتبت في بداية عصر الدولة الوسطى، تتخذ القصيدة شكل مونولوج درامي، يُلقيه شبح المصري القديم المقتول أمنمحات الأول على ابنه سنوسرت الأول، حيث يصف فيها المؤامرة التي أودت بحياته، ويوصي ابنه بألا يثق بأحد، ويوضح أنه اغتيل على يد حارسه، بينما كان في سريره، ثم يصف لفترة وجيزة حكمه لمصر، ويصف نجاحاته العسكرية وإنجازاته.

 

تمثل القصيدة نوعًا من الاعتذار عن أفعال العهد السابق، وتنتهي بتوصية سنوسرت بأن يرث العرش ويحكم بحكمة وعدل، مصلحًا ما فسد في عهد والده، ويُرجح أن هذه الوصايا أُلفت بأمر من سنوسرت الأول، بهدف رثاء والده أمنمحات الأول وإضفاء الشرعية على مطالبته بالعرش بعد وفاته.

وفي عصر الدولة الحديثة، نسبت بردية شستر بيتي الرابعة تأليف القصيدة إلى الكاتب خيتي، مما يدل على استمرار شهرتها الأدبية لقرون طويلة.

تعاليم كاي جمني 

تُعد من أقدم المؤلفات الأخلاقية التي وصلتنا من الحضارة المصرية، وإحدى نصوص أدب الحكمة في مصر القديمة، ورغم نسبتها إلى الوزير كاي جمني، وزير الملك سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة، فإن النصوص التي وصلت إلينا كُتبت في عصر الدولة الوسطى، مما يشير إلى أنها نُقلت أو أُعيد تدوينها بعد قرون من تاريخها المفترض.

كتبت البردية باللغة المصرية الوسطى وبأسلوب هيراطيقي قديم، وتضم في بدايتها تعاليم كاي جمني تليها مباشرة تعاليم بتاح حتب، الوزير في عهد الملك جد كا رع "2414–2375 ق.م".

تُعد هذه النصوص أقدم ما عُرف في تاريخ الإنسانية عن الأخلاق والسلوك القويم، إذ سبقت ظهور المسيحية بنحو 2600 عام، وقوانين حمورابي بما لا يقل عن ألف عام، ويُرجح أن هذه التعاليم كانت تُتناقل شفويًا بين الناس قبل الأسرة الرابعة، ثم دُونت لاحقًا.

لم يبق من تعاليم كاي جمني سوى الجزء الأخير منها في بردية بريسي، بينما تليها كاملة تعاليم بتاح حتب، ولا يُعرف حجم النص المفقود من بدايتها.

يُعتقد أن كاي جمني الذي تُنسب إليه هذه التعاليم ربما كان وزيرًا آخر عاش في عصر الأسرة السادسة، أو ربما كان ابن الحكيم كاي رع المذكور في بردية شستر بيتي الرابعة من عصر الرعامسة.

ورغم الشكوك حول هوية المؤلف، فإن نسبة النصوص إلى شخصيات بارزة من الماضي كانت ممارسة شائعة في أدب الحكمة المصري القديم، لتضفي على النصوص مصداقية وسلطة أخلاقية.

وصية كاي جمني

صيغت التعاليم في شكل نصائح من الأب لابنه، على غرار أسلوب تعاليم بتاح حتب.

ويركز كاي جمني في وصاياه على قيم التواضع والاعتدال، ويحذر من الغرور والطمع والإفراط في الشهوات.

وتتميز هذه التعاليم بطابعها الأخلاقي والإنساني العام، على خلاف نصوص لاحقة مثل تعاليم أمينيموبي التي تميل إلى التقوى والورع الديني، أو وصايا أمنمحات التي تتخذ منحىً سياسيًا في صورة نصائح للوريث الملكي.

قصة الفلاح الفصيح

الفلاح الفصيح هي واحدة من أروع قصص الأدب المصري القديم، وتتناول قضية العدالة الاجتماعية وحق المظلوم في الإنصاف عبر البلاغة والكلمة الحكيمة.

تحكي القصة عن فلاح فقير يُدعى خون-أنوب "أو خن-أنوب"، عاش في عهد الأسرة التاسعة أو العاشرة، وكان يقيم في منطقة إهناسيا.

بداية القصة

كان خون-أنوب في طريقه إلى السوق، يصحب حميره المحملة بالبضائع التي ينوي مقايضتها لتوفير الإمدادات لعائلته.

وأثناء سيره في الطريق الضيق الذي يفصل بين النهر من جهة وحقول النبيل رنسي بن مرو من الجهة الأخرى، لاحظه نمتي نخت، التابع للنبيل، ودبر مكيدة لسرقته.

فرش نمتي نخت قطعة قماش على الطريق العام بحيث لم يعد أمام الفلاح سوى أن: إما يدوس على القماش "فيُتهم بإهانة ملكية النبيل"، أو يسير في الماء، أو يدخل بحقائبه ودوابه إلى أرض النبيل.

وبينما كان خون-أنوب يناقش نمتي نخت بالمنطق، التقط أحد حميره لقمة من الشعير من الحقول، فاتخذها نمتي نخت ذريعة لاتهامه بالإفساد، ثم استولى على حميره وبضاعته.

وحين اعترض خون-أنوب على هذا الظلم، ضربه نمتي نخت وهدده بالقتل إن تجرأ على الشكوى، لكن الفلاح لم يستسلم، بل استمر في المطالبة بالعدالة لمدة عشرة أيام، دون أن يلقى إنصافًا.

شكاوى الفلاح

من أشهر مقاطع شكواه قوله:

أليس عارًا أن الميزان مائل، ومقيم العدل منحرف؟

انظر، ها هو العدل يرزح تحت ثقلك، مشرد من مكانه،

فالمسؤولون يتسببون في الويلات، وما يجب حسابه يُنحّى جانبًا،

والمحققون يقتسمون المسروقات،

أي أن من عليه وضع الأمور في نصابها هو من يحرفها.

 

إلى النبيل رنسي

بعد فشله في استعادة حقه من نمتي نخت، قصد خون-أنوب النبيل رنسي بن مرو ليعرض قضيته.

رفع رنسي شكوى الفلاح إلى القضاة، لكنهم رفضوها معتبرين أنها خلاف بسيط بين فلاح ومالك أرض، ومع ذلك، لفتت فصاحة الفلاح نظر رنسي، فقرر عرض الأمر على الفرعون نب كاو رع (ختي).

انبهر الفرعون ببلاغة الفلاح وفطنة منطقه، وأمر رنسي بعدم الاستجابة لنداءاته مؤقتًا حتى يُواصل إلقاء خطبه لتُسجَّل وتُحفظ في البلاط الملكي.

كما أمر بتوفير الطعام للفلاح وعائلته سرا أثناء فترة شكواه، حتى يواصل مناشداته دون أن يدري أنه يتلقى الدعم من الملك نفسه.

على مدى تسعة أيام، ظل خون-أنوب يمتدح النبيل رنسي ويطلب منه العدالة.

وحين شعر أن شكواه لا تلقى صدى، أهان النبيل في إحدى خطبه، فتم ضربه عقابًا له.

وفي نهاية المطاف، وبعد خطابه الأخير، غادر الفلاح يائسًا، لكن رنسي أرسل في طلبه وأمر بعودته.

قرأ النبيل رسائله الأخيرة، وأُعجب بها إعجابًا كبيرًا، فأمر برد الحمير والبضائع إلى خون-أنوب، بل عوضه بجميع ممتلكات نمتي نخت، ليجعل الظالم فقيرًا مثل من ظلمه.

من أقوال الفلاح الفصيح

كيف يشكو إليك الفقير الذي دمرته؟

لا تكن ثقيلاً ولا خفيفًا، لا تكن سريعًا ولا بطيئًا،

لا تُخفِ وجهك عمّا ترى، ولا تُعمِ عينيك عن الظلم،

لا تتقاعس وأعلن كلمتك،

ها أنا أشكو إليك، ولكنك لا تسمع،

سأذهب وأشكو أمري إلى أنوبيس!

العدالة أساس الحكم الصالح

تُبرز قصة الفلاح الفصيح إيمان المصريين القدماء بأن العدالة أساس الحكم الصالح، وأن الكلمة والفصاحة قد تكونان أقوى من القوة.

كما تعكس إدراكهم العميق لقيمة الحق والمساواة أمام القانون، وهي رسالة إنسانية ما تزال صالحة لكل زمان.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء